رؤية لحية الصديق في المنام مشهد يتصل بعالم الصحبة والمودة، فالصديق في حياة الإنسان رفيق دروب ومرآة لجوانب من نفسه. وينبغي أن يُذكر في مطلع التفسير أن الرؤيا رمزية في أصلها وليست حرفية، فلا يُبنى على ظاهرها موقف من أحد. وقد يكون ما يُرى فيها انعكاسًا لأمر شغل الرائي في علاقته بصديقه، أو إشارة معنوية إلى مرحلة في صحبتهما. والأولى أن تُقرأ بهدوء وأن تُوزن بما يعرفه الرائي من واقع الصحبة.
واللحية في الرموز العامة للمنام ترتبط بالهيبة والوقار والعناية بالمظهر، وبالتقدم في العمر وما يصحبه من خبرة ومكانة. فإذا ظهرت على وجه الصديق فقد تشير إلى نضجه أو إلى أن مكانته عند الرائي ارتفعت. وقد تعبر عن رغبة الرائي في أن يكون صديقه أكثر جدية أو أكثر حضورًا في الأوقات المهمة. وقد تكون الصورة تذكيرًا بصفات الاتزان في هذا الصاحب. وكل ذلك احتمالات تتوقف على المشاعر التي رافقت المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللحية تدل في الجملة على الجاه والقدر والمنزلة، وأن حسنها يدل على صلاح الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغير هيئة اللحية في الرؤيا يدل على تغير الأحوال تبعًا لهذا التغير. وهذه الأقوال عامة، ولم يُفرد القدماء لحية الصديق بتفصيل خاص، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. لذلك يغلب الاجتهاد والقياس في تفسيرها، ويختلف المفسرون في ذلك اختلافًا واسعًا. فلا يحسن التمسك بقول منفرد ولا الاستعجال في الظن بصحبة بُنيت على سنين طويلة.
وللسياق أثر كبير. فإن ظهر الصديق بلحية مرتبة وهو يضحك أو يتكلم بلطف، فالصورة أقرب إلى الألفة وإلى استمرار المودة. وإن ظهر عابسًا أو بعيدًا، فقد يرمز ذلك إلى شعور الرائي بفتور في الصلة أو إلى مسافة فرضتها الأيام. وإن كان الصديق قد انقطع عن الرائي منذ زمن، فقد تأتي الرؤيا من أثر الذكرى والرغبة في تجديد الصلة. وإن كان في الحلم غريبًا عن هيئته المعتادة، فقد يكون الأمر انعكاسًا لدهشة الرائي من تغير في طبعه أو ظروفه.
وإذا كانت الرائية عزباء فقد ترمز الصورة إلى ما تحتاجه من صحبة صادقة ورأي متزن، أو إلى تأمل في معنى الصداقة بين الناس. وقد تعبّر عن اطمئنانها إلى وجود شخص تثق به. وليس في الرؤيا وعد بارتباط ولا إشارة إلى نية أحد. والأولى أن تأخذ منها شعورًا بالقرب من صحبتها الطيبة. ومن الرشد ألا تحمّل الصورة معنى أبعد مما تحتمل.
وأما المتزوجة فقد تدل الرؤيا على انشغالها بصديقة أو صديق للأسرة وبأثره في بيتها، أو على حنين إلى صحبة قديمة. وقد تعبر عن رغبتها في أن يجد زوجها صحبة صالحة تعينه. وإن كانت حاملًا فلا تدل الرؤيا على جنس المولود ولا على سلامة الحمل، وليست نصيحة طبية، والمرجع هو الطبيب. وأما الرجل فقد يرى في لحية صديقه تعبيرًا عن إعجابه بنضجه، أو رغبة في أن يلحق بهذه المرحلة. وقد يرى فيها دعوة إلى تفقد الصديق في وقت قد يحتاج فيه إلى كلمة طيبة.
وللتفاصيل الدقيقة قيمتها في التأويل. فالمكان الذي يلتقيان فيه يعطي الصورة سياقها، فاللقاء في مكان مألوف يدل على استقرار الصلة، واللقاء في مكان مزدحم قد يدل على كثرة الانشغال. ولون اللحية وكثافتها وترتيبها تضيف قرائن على حال الصديق في نظر الرائي. وإن كان الصديق يعطي الرائي شيئًا أو يمازحه فذلك أقرب إلى المودة والعون. وإن كان الرائي هو من يبادر بالكلام والسؤال فقد يدل ذلك على رغبته في تقريب المسافة.
ومن الجهة العملية والنفسية، تدعو هذه الرؤيا إلى تأمل هادئ في الصحبة: من الذي ينفع الإنسان بصدقه، ومن الذي طال انقطاعه ويستحق رسالة طيبة؟ وكثيرًا ما تظهر صور الأصدقاء حين يشعر الرائي بالوحدة أو بالحاجة إلى رأي ثالث في أمر يحيره. فيمكن أن يكون الحلم دافعًا إلى اتصال لطيف أو لقاء قريب. وليس في الرؤيا تشخيص لحال جسدية، ومن أحس بمرض فمرجعه الطبيب، وهي كذلك ليست دليلًا على نوايا أحد.
وبعد هذا كله، فإن ما ذُكر في تفسير هذه الرؤيا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه خوف أو جزم. والأولى أن يحسن الرائي الظن بالله، وأن يحفظ لأصدقائه الود والدعاء بظهر الغيب. ويُدعى بأن يجعل الله ما رآه الإنسان خيرًا وأن يرزقه صحبة صالحة. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما سواه ظنون واجتهادات.
