رؤيا سرير بأرجل كثيرة من الرؤى الغريبة الصورة، فالسرير المعتاد له أربع قوائم، وكثرتها في الحلم تلفت الانتباه. وقد يرى الرائي عشرات الأرجل أو أرجلًا متشابكة، وقد لا يعرف عددها، فتتفاوت الدلالة بحسب الهيئة. وتفسير الأحلام اجتهاد لا قطع فيه، والصور فيه رموز تُقرأ على ضوء حال الرائي. وما يلي عرض هادئ لوجوه محتملة بلا جزم. وليست الرؤيا خبرًا جازمًا عن أمر قادم، وإنما صورة تُتأمل.
السرير رمز للراحة والأمان والخصوصية والبيت والاستقرار، والأرجل ترمز إلى الأساس والثبات وما يقوم عليه الشيء. فإذا كثرت أرجل السرير، فقد يعبّر ذلك عن رغبة في مزيد من الثبات والاطمئنان، أو عن كثرة الأسس التي يعتمد عليها الرائي في استقراره. وقد يعبّر أيضًا عن تعدد الاهتمامات والالتزامات التي تقوم عليها راحته، فكل رجل منها تحمل جزءًا من الثقل. وكل ذلك احتمال لا جزم فيه، والصور الغريبة كثيرًا ما تكون من تشكيل الذهن. والذهن في النوم يجمع الصور ويفككها بلا ترتيب، فلا يُستغرب أن تأتي على غير المألوف.
نُسب إلى ابن سيرين أن القوائم في المنام تُقرأ في بعض الأحوال على الأسباب والأعوان الذين يقوم بهم الأمر، وأن كثرتها قد تدل على كثرة الأسباب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُرى من متاع البيت على غير هيئته المعتادة يُنظر فيه إلى ما يقابله من اختلاف في الأحوال دون قطع. واختلف المفسرون في ذلك، فبعضهم أخذ المعنى المعنوي كالثبات، وبعضهم اعتبره خيالًا لا يُقصد به شيء. فالأمر اجتهاد يُعرض بلا إلزام. وليس لأحد أن يقطع بمعنى واحد في صور لم تتضح معالمها.
السياق يرجّح بين هذه المعاني، فإن كانت الأرجل مرتبة منتظمة والسرير ثابتًا مال المعنى إلى استقرار وتعدد أسباب الطمأنينة. وإن كانت متشابكة تعيق الحركة مال المعنى إلى انشغال بتفاصيل كثيرة تزاحم الراحة. وشعور الرائي، من دهشة أو سرور أو ضيق، قرينة مهمة. وإن كان الحلم يقع في بيته فالمعنى أقرب إلى شؤون البيت، وإن كان في مكان غريب فهو أقرب إلى خيال عام بلا دلالة محددة. وكل هذا يُنظر فيه مع سائر تفاصيل الحلم لا منفردًا.
الرجل قد يقرأ هذه الرؤيا على ما يقوم عليه رزقه واستقراره من أسباب متعددة، فيرى فيها صورة لتعدد المسؤوليات. والمرأة قد تقرؤها على ما يقوم عليه بيتها من مهام ومشاغل كثيرة تحتاج إلى حسن تنظيم. والطالب قد يقرؤها على تعدد المواد والواجبات، والكبير في السن قد يقرؤها على كثرة من يسندونه من أهله وأحبابه. وهذه كلها احتمالات تتبدل بتبدل الأحوال. ولا ينبغي أن يُظن بها غير ما يلائم حال صاحبها وظروفه.
وللتفاصيل أثرها، فإن كانت الأرجل متساوية الطول فالصورة أقرب إلى الاتزان والانتظام، وإن كانت متفاوتة فهي أقرب إلى ترتيب يحتاج إلى ضبط. وإن كانت من خشب فقد توحي بالألفة والبساطة، وإن كانت من حديد فقد توحي بالمتانة. وإن كان السرير يتحرك على أرجله الكثيرة فالصورة أقرب إلى خيال متحرك لا يُحمل على شيء، فلا يُنسب إليه معنى غيبي. ولا يُبنى على ذلك توقع بعينه. وتبقى هذه المشاهد من نسج الخيال كسائر ما يراه النائم من صور لا تنتظم.
وقد تدل الصورة في بعض القراءات على أن الرائي يشعر بأن راحته تتوقف على أمور كثيرة لا أمر واحد، فهو يريد أن يطمئن على كل جانب منها. وقد تدل على ميل إلى الحيطة وتثبيت الأمور من كل جهة. وقد لا تدل على شيء سوى أن الذهن يلعب بالصور كما يفعل في سائر الأحلام الغريبة. وكل ذلك من التأمل الرمزي الذي لا يلزم أحدًا. ومن شاء الأخذ منه معنى الاطمئنان بتعدد الأسباب فقد أحسن.
ومن الجهة النفسية، تتكرر مثل هذه الأحلام عند من يشغله الكثير من الأمور فيريد أن يثبّتها جميعًا. ويمكن لصاحبها أن يرتب مهامه ويبدأ بالأهم منها، وأن يطلب العون ممن يثق به. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، ومن عانى قلقًا أو أرقًا مستمرًا فالأولى أن يراجع طبيبًا مختصًّا. ومن العناية بالراحة أن يهيئ المرء مكان نومه بهدوء ونظام، وأن يخفف قدر الإمكان ما يحمله من توتر. فإن النوم الهادئ يعين على صفاء الذهن في اليوم التالي.
وختامًا فما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُتخذ قاطعًا في أمر. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو لنفسه ولأهله بالطمأنينة والتوفيق. ومن رأى ما أقلقه فلا يشغل به قلبه، وليتوجه إلى الله بالدعاء. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا تبقى صورة رمزية تُتأمل ولا يُجزم بها.
