من الرؤى التي تثير الرهبة أن يرى الإنسان نفسه أو غيره في حادث سيارة، ثم يرى الدم على وجهه أو ثيابه أو على الطريق. فيستيقظ وقلبه يخفق، وربما يتردد في قيادة سيارته ذلك اليوم خوفًا من أن يكون المنام نذيرًا. وهذه الرؤية شائعة جدًا في زمننا، لأن السيارات جزء من حياة الناس اليومية، وأخبار الحوادث تتكرر في وسائل الإعلام. ومن المهم أن نطمئن الحالم: فرؤية الحادث في المنام لا تعني أن حادثًا سيقع، فالمنام يتكلم بالرموز. والتأويل محاولة لفهم ما تعبر عنه النفس، لا تنبؤ بالمستقبل.
الدم في المنامات قد يرمز إلى المال أو الهم أو الذنب أو القرابة، والسيارة عند المعبرين المعاصرين ترمز في الغالب إلى مسار الحياة، وإلى طريقة إدارة الإنسان لأموره، وإلى سرعته في تحقيق أهدافه. فحادث السيارة قد يرمز إلى تعثر في مشروع، أو تغيير مفاجئ في الخطط، أو صدام في الرأي مع أحد. والدم الذي يظهر بعد الحادث قد يرمز إلى ثمن هذا التعثر من مال أو جهد، أو إلى الهم الناتج عنه، وقد يرمز إلى خروج هذا الهم إذا انتهى المنام بالنجاة.
لم تتناول كتب التعبير القديمة صورة السيارة بطبيعة الحال، لكن نُسب إلى ابن سيرين أن المركوب في المنام كالدابة يدل على حال الإنسان وجاهه، وأن السقوط عنه قد يدل على تعثر في الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن خروج الدم من البدن قد يدل على ذهاب الهم أو نقص المال بحسب الحال. ويقيس المعبرون المعاصرون على هذه الأصول، فيجعلون السيارة في مقام المركوب، ويختلفون في تفصيل الدلالة.
ويتغير التأويل بحسب التفاصيل، فإن خرج الحالم من الحادث سالمًا مع قليل من الدم، فذلك يدل على تجاوز عقبة بخسائر محدودة. وإن كان هو السائق، فقد يرمز الأمر إلى قرار اتخذه بتسرع، ويدعوه إلى التأني. وإن كان راكبًا، فقد يرمز إلى أن غيره يتحكم في بعض أموره. والسرعة قبل الحادث لها دلالة، فالسرعة الزائدة قد ترمز إلى استعجال في الحياة. ومشاعر الحالم بعد الحادث تحدد اتجاه الرؤية.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة أنها تعرضت لحادث ورأت الدم، فقد يعكس ذلك قلقها من قرار متسرع، أو خوفها من تعثر في دراستها أو علاقتها، وإن نجت فذلك بشارة بتجاوز المرحلة. وأما المرأة المتزوجة فقد تشير الرؤية إلى ضغوط في إدارة شؤون البيت، أو إلى خلاف مفاجئ يحتاج إلى حكمة، وقد تكون دعوة إلى التمهل في قرارات الأسرة.
وللرجل قد تدل الرؤية على تعثر في عمل أو تجارة، أو على خطة تحتاج إلى مراجعة، أو على ضغط يدفعه إلى الاستعجال. وأما الحامل فإن مثل هذه الرؤى تأتيها أحيانًا بسبب القلق من المستقبل ومن الولادة، والمعبرون يطمئنونها بأنها لا تعني ضررًا لها أو لجنينها، ومن احتاجت إلى استشارة طبية في أمر حقيقي فلتراجع طبيبها.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كان معه أحد في السيارة؟ فإن كانوا من أهله فقد يرتبط الأمر بشأن عائلي مشترك. وهل جاء من يسعفه؟ فالإسعاف علامة على العون والفرج. وهل تضررت السيارة كثيرًا؟ فالضرر الكبير قد يرمز إلى حاجة إلى تغيير جذري في الخطط. وكذلك الطريق، فالطريق المعروف يرتبط بأمر مألوف، والطريق المجهول بأمر جديد يقلق الحالم.
ومن الناحية النفسية، يرى المختصون أن أحلام الحوادث ترتبط كثيرًا بالشعور بفقدان السيطرة، أو بالخوف من الفشل، أو بالإرهاق الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه يسير بسرعة لا يقدر عليها. والحلم ليس إشارة طبية ولا نذيرًا، لكن لا بأس أن يتخذه الحالم تذكيرًا عامًا بالقيادة الآمنة والتأني، فهذا خير في كل حال، دون أن يتحول إلى خوف يعطل حياته.
ومن الحكمة أن يتذكر الحالم أن الخوف من المنام لا يمنع قدرًا، وأن الأخذ بالأسباب والتوكل على الله هو المنهج الصحيح. فيقود سيارته كعادته بحذر، ويقول دعاء الركوب، ويطمئن قلبه بذكر الله، دون أن يلغي مواعيده أو يغير خططه بناء على ما رأى.
ومن آداب الرؤى المكروهة أن يستعيذ المسلم بالله من شرها، وأن يتحول عن جنبه، وألا يحدث بها أحدًا، فإنها لا تضره بإذن الله. وفي هذا الأدب حماية للقلب من القلق، وتذكير بأن الأمر كله لله.
ونختم بأن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يحتمل الخطأ، ولا يجوز أن تُبنى عليه قرارات في السفر أو العمل أو غيرهما. والمسلم يحسن الظن بالله، ويكثر من الدعاء بالسلامة، ويعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن الحافظ هو الله وحده.
