رؤية الدم في الشارع من المشاهد التي يستيقظ منها الحالم وفي نفسه شيء من الانقباض، لأن الشارع مكان عام يمر فيه الناس، والدم فيه يلفت الانتباه ويثير التساؤل. وهذه الرؤية تتكرر عند كثير من الناس خاصة في أوقات الضغط أو بعد مشاهدة أخبار مقلقة. ومن المهم أن يتذكر الحالم منذ البداية أن لغة المنام لغة رمزية، وأن ما يُرى فيه لا يعني وقوعه في الواقع كما هو. فالدم في المنام لا يدل بالضرورة على أذى أو حادث، بل قد يحمل معاني بعيدة تمامًا عن ظاهره. ولذلك يحسن أن يُقرأ هذا المشهد بهدوء وتأنٍّ، بعيدًا عن التهويل والخوف.
والدم في عالم الرموز يحمل دلالات متعددة، فقد يشير إلى المال، وقد يكون أحيانًا إشارة إلى مال فيه شبهة، وقد يرمز إلى ذنب أو كلام غير صادق. وفي سياق آخر قد يدل خروجه على زوال الهم وانتهاء الضيق. وأما الشارع فيرمز في كثير من التأويلات إلى الحياة العامة وعلاقة الإنسان بالمجتمع ومسيرته اليومية. فإذا اجتمع الرمزان كان المعنى متصلًا غالبًا بشأن عام، أو بأمر يتحدث فيه الناس، أو بخطوات الحالم في طريق حياته. وتختلف الدلالة النهائية بحسب تفاصيل المشهد وحال صاحبه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الدم في المنام يدل على المال، وأن الدم الذي يلطخ الثوب قد يشير إلى كذب أو قول باطل، مستأنسًا بالصورة المعروفة للدم الكاذب على قميص يوسف عليه السلام. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدم المسفوح في مكان عام قد يدل على فتنة أو كلام يكثر بين الناس، أو على أمر يشغل الرأي العام. وذهب بعض المفسرين إلى أن الدم في الطريق قد يرمز إلى عائق مؤقت في مسيرة الحالم يزول بالصبر. وهذه أقوال اجتهادية متفاوتة، ولا يُجزم بواحد منها، وإنما يُستأنس بها مع مراعاة حال الرائي.
ويتغير المعنى كثيرًا بحسب السياق؛ فالدم القليل المتناثر يختلف عن البقعة الكبيرة الواسعة، والدم الذي يجف ويختفي يختلف عن الدم الذي يبقى ظاهرًا. كما أن لون الدم له أثر، فالأحمر الصافي يُحمل عند بعضهم على معنى أخف من الداكن العكر. ومصدر الدم مهم أيضًا، فإن لم يُعرف مصدره كان أقرب إلى الرمز العام، وإن عُرف كان أقرب إلى أمر خاص. ومشاعر الحالم في المنام من أهم المفاتيح، فالطمأنينة تخفف المعنى، والذعر قد يعكس قلقًا داخليًا أكثر من كونه إشارة إلى حدث.
وإذا رأت الفتاة غير المتزوجة الدم في الشارع ومرت بجانبه دون أن يمسها، فقد يُحمل ذلك على نجاتها من كلام أو موقف كانت تخشاه، أو على تجاوزها مرحلة مقلقة في دراستها أو عملها. وإن رأت نفسها تتجنب الدم بحذر فقد يدل على حرصها وحسن تدبيرها. أما المرأة المتزوجة فقد تشير الرؤية عندها إلى انشغالها بأمور البيت والناس من حولها، أو إلى خوفها من أحاديث تمس أسرتها. وإن رأت الدم يُغسل ويزول فقد يكون ذلك بشارة بهدوء الأحوال واستقرارها.
وأما الرجل إذا رأى الدم في الشارع وهو في طريقه إلى عمله، فقد يرمز ذلك عند بعض المعبرين إلى عقبات مهنية أو منافسة يحتاج معها إلى حكمة وتروٍّ. وإن رآه بعيدًا عنه لا يقترب منه فقد يدل على أنه بمنأى عن مشكلة تخص غيره. وقد تشير الرؤية للتاجر إلى ضرورة التحري في مصادر المال والبعد عن الشبهات. والحامل إذا رأت هذا المشهد فالغالب أنه انعكاس لقلقها الطبيعي على نفسها وجنينها، ولا ينبغي أن تحمّله أكثر مما يحتمل.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تساعد على فهم الرؤية: هل كان الشارع مزدحمًا أم خاليًا؟ فالزحام قد يرمز إلى أن الأمر معروف بين الناس، والخلاء قد يشير إلى أمر شخصي لا يعلمه غير الحالم. وكذلك الوقت، فالنهار المشرق يُحمل على وضوح الأمور، والليل قد يدل على حيرة أو غموض. ووجود المطر الذي يغسل الدم يُعد عند بعضهم علامة طيبة على زوال الهم ونزول الرحمة. وكل هذه التفاصيل تُضم بعضها إلى بعض لتعطي صورة أقرب إلى حال الحالم.
ومن الناحية النفسية، فإن مشاهد الدم في الأماكن العامة كثيرًا ما تتسلل إلى الأحلام بعد التعرض لأخبار الحوادث أو مقاطع مؤلمة، فيعيد العقل معالجة تلك الصور أثناء النوم. وقد تعكس الرؤية شعورًا بعدم الأمان أو قلقًا من المستقبل أو من نظرة الناس. وهنا يكون التعامل العملي بتخفيف التعرض للمحتوى المقلق قبل النوم، والحرص على أذكار المساء، والنوم على طهارة. فهذه الأمور تبعث السكينة في النفس وتقلل من الأحلام المزعجة بإذن الله.
وفي الختام، يبقى تفسير الأحلام اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في الواقع أو يُتخذ سببًا للخوف والقلق. وإن رأى المسلم ما يكره فالمشروع أن يستعيذ بالله من شرها، وألا يحدث بها، وأن يتحول عن جنبه، وأن يكثر من الدعاء. وليحسن الظن بالله تعالى، فإن الخير كله بيده. والغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه، وهو أرحم بعباده من كل ما يتوهمون.
