من المنامات المزعجة التي يراها بعض الناس أن يشاهدوا شخصًا قد فارق الحياة ودمه حوله، فيستيقظون في حالة من الاضطراب والخوف. وهذه الصورة، مع قسوتها، من الرؤى التي تتكرر عند كثيرين، خاصة في عصر تكثر فيه مشاهد العنف في الأخبار والأفلام. ومن الضروري جدًا أن نبدأ بطمأنة الحالم: فهذه الرؤية رمزية تمامًا، ولا تعني أن جريمة ستقع، ولا أن الحالم أو أحدًا من معارفه في خطر. والعقل في النوم يستعمل صورًا قوية ليعبر عن مشاعر داخلية، والتأويل هنا محاولة هادئة لفهم هذه المشاعر.
الدم في عالم الرؤى يرمز إلى المال أو الهم أو الذنب أو الكلام الباطل أو القرابة، والقتل في المنام عند المعبرين لا يُفهم على ظاهره في الغالب، بل يرمز إلى نهاية مرحلة، أو انقطاع علاقة، أو انتصار على أمر، أو صراع داخلي. فرؤية دم شخص مقتول قد تعني أن شيئًا ما في حياة الحالم قد انتهى، كعلاقة أو عمل أو عادة، وقد تعني أن الحالم يشعر بظلم وقع على أحد، أو بقلق من نزاع في محيطه.
نُسب إلى ابن سيرين أن القتل في المنام قد يحمل دلالات غير ظاهره، حتى إن بعض ما نُقل عنه يجعل المقتول في بعض الأحوال صاحب منفعة أو طول عمر، وهذا من غرائب التعبير التي تؤكد أن الرمز لا يُفهم حرفيًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الدم المسفوك قد تدل على كلام في الأعراض أو على مال فيه شبهة. ونُسب إلى بعض المفسرين أن رؤية القتيل قد ترمز إلى خصومة تنتهي. والأقوال متعددة، ولا يُقطع بواحد منها.
ويتغير معنى الرؤية بحسب التفاصيل، فإن كان المقتول غريبًا لا يعرفه الحالم، فقد يرمز إلى جانب من نفس الحالم يريد أن يتخلص منه، أو إلى قلق عام لا يتعلق بشخص بعينه. وإن كان معروفًا، فقد يرمز إلى تغير في العلاقة معه أو قلق عليه، لا إلى أذى سيصيبه. وإن كان الحالم يبكي أو يحاول المساعدة، فذلك يعكس رقة قلبه ورفضه للظلم. وكمية الدم ولونه وموقف الحالم كلها عناصر تعين المعبر على فهم الرسالة.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة مثل هذا المشهد، فقد يعكس ذلك خوفًا أو قلقًا تعيشه، ربما بسبب مشاهدات مؤلمة أو ضغوط في محيطها، وقد يرمز إلى انتهاء علاقة أو مرحلة في حياتها. ولا ينبغي أن تحمل الرؤية على أنها نذير بشيء. وأما المرأة المتزوجة فقد تشير الرؤية إلى توترات في محيط أسرتها أو إلى خوفها على من تحب، وقد تكون دعوة إلى السكينة والإكثار من الذكر.
وللرجل قد تدل الرؤية على صراع في عمله أو منافسة حادة، أو على شعوره بأن ظلمًا يقع حوله ويريد أن يقف ضده، وقد ترمز إلى انتهاء خصومة. وأما الحامل فإن مثل هذه الصور تأتيها أحيانًا بسبب القلق والتغيرات التي تعيشها، والمعبرون يطمئنونها بأن الرؤية لا تتعلق بها ولا بجنينها، وأنها انعكاس لمشاعر عابرة.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المعبرون: هل عرف الحالم من فعل ذلك؟ فإن لم يعرف فالأمر أقرب إلى القلق العام. وهل كان الحالم شاهدًا بعيدًا أم قريبًا من المشهد؟ فالبعد قد يدل على أن الأمر لا يعنيه مباشرة. وهل جاءت الشرطة أو أهل الحق في المنام؟ فذلك قد يرمز إلى انتصار العدل وانكشاف الحقيقة. وكذلك المكان، فالمكان المجهول يرتبط بقلق غامض، والمكان المألوف بأمر قريب من حياة الحالم.
ومن الناحية النفسية، يرى المختصون أن مشاهد العنف في الأحلام كثيرًا ما تكون صدى لما يتعرض له الإنسان من أخبار ومشاهد، أو تعبيرًا عن توتر وغضب مكبوت، أو عن شعور بالعجز أمام ظلم ما. ومن كانت تتكرر عليه هذه الأحلام وتؤثر في نومه وحياته، فيحسن به أن يقلل من مشاهدة المحتوى العنيف، وأن يحرص على أذكار النوم، وإن استمر القلق فلا بأس باستشارة مختص نفسي.
ومن الحكمة أن يتذكر الحالم أن رؤية مثل هذه الصور لا تعني شيئًا عن شخصيته أو نواياه، فالإنسان الطيب قد يرى في منامه ما يكره، والمنام المزعج من الشيطان أحيانًا ليحزن المؤمن. ولذلك كان من الهدي أن يستعيذ المسلم بالله من شر ما رأى، وأن يتحول عن جنبه، وألا يحدث بها أحدًا، فإنها لا تضره بإذن الله.
ونختم بأن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن تُبنى عليه قرارات أو مخاوف في الواقع. والمسلم يستقبل ما يرى بالسكينة والدعاء وحسن الظن بالله، ويعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
