من المنامات التي تثير القلق أن يرى الإنسان شخصًا آخر ينزف أمامه، سواء كان من أهله أو أصدقائه أو كان غريبًا لا يعرفه. فيستيقظ الحالم وقد تملكه خوف على ذلك الشخص، وربما يسارع إلى الاتصال به ليطمئن عليه. وهذه الرؤية شائعة جدًا، خصوصًا حين يكون بين الحالم والشخص المرئي رابطة قوية أو قلق قائم. ومن الضروري أن نطمئن الحالم منذ البداية: فرؤية شخص ينزف في المنام لا تعني أنه سيصاب بأذى في الواقع، فالمنام يتكلم بالرموز لا بالأخبار. والتأويل اجتهاد هادئ يحاول فهم ما وراء الصورة.
الدم في الرؤى قد يرمز إلى المال، أو إلى الهم، أو إلى الذنب، أو إلى القرابة، وحين يكون النزيف من شخص آخر فإن الرمز في الغالب يتعلق بحال ذلك الشخص كما يتصوره الحالم، أو بعلاقة الحالم به. فقد يعني أن ذلك الشخص يمر بضيق مالي أو نفسي، وقد يعني أن الحالم يشعر بأن هذا الشخص يحتاج إلى عون، وقد يعني في بعض الأحوال خروج الهموم عن ذلك الشخص وانفراج أمره، إذ يرى بعض المعبرين في خروج الدم معنى التخلص من الأذى.
نُسب إلى ابن سيرين أن خروج الدم من إنسان قد يدل على نقص ماله أو ذهاب شيء من جاهه، وقاس بعض المعبرين على ذلك أن من رأى غيره ينزف فقد يكون ذلك الغير في ضيق عابر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن خروج الدم بلا ألم قد يدل على زوال الهم والشفاء، وهو قول يبعث على الطمأنينة. ونُسب إلى بعض المفسرين أن رؤية القريب ينزف قد تشير إلى حاجته إلى صلة ورعاية. فالأقوال مختلفة، ولا يصح الجزم بواحد منها.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كان الحالم يسارع إلى مساعدة الشخص المصاب، فذلك يدل على صدق محبته واستعداده للوقوف معه، وقد يكون بشارة بأنه سيكون سببًا في تفريج كربته. وإن توقف النزيف بعد ذلك فهو من أحسن الخواتيم. وإن كان الشخص ينزف ولا يبدو عليه الألم، فقد يرمز إلى ضيق يتحمله بصبر. ومشاعر الحالم تجاه المشهد، من خوف أو حزن أو رغبة في المساعدة، تعكس طبيعة علاقته بهذا الشخص.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة صديقة أو أختًا تنزف، فقد يعكس ذلك قلقها عليها أو إحساسها بأنها تمر بظرف صعب، وقد يكون دعوة لها إلى السؤال عنها ومواساتها. وإن رأت شخصًا تحبه ينزف، فقد يعكس خوفها من فقدانه أو من تغير العلاقة. وأما المرأة المتزوجة فإن رأت زوجها ينزف، فقد يرمز ذلك إلى ضغوط يتحملها في عمله أو نفقات تثقله، وقد تكون الرؤية دعوة إلى دعمه ومساندته.
وللرجل إذا رأى أحد أهله ينزف، فقد يعكس ذلك شعوره بالمسؤولية تجاههم وحرصه على حمايتهم، وقد يدل على أن أحدهم يحتاج إلى عون مادي أو معنوي. وأما الحامل فإن مثل هذه الرؤى تأتيها كثيرًا بسبب حساسيتها المرتفعة، وهي في الغالب انعكاس لمخاوف طبيعية، ولا تحمل نذيرًا لها أو لأحد من أهلها.
ومن التفاصيل التي تعين على فهم الرؤية: من هو الشخص النازف؟ فالقريب يختلف عن الغريب، والحي يختلف عن الميت. ومن أي موضع ينزف؟ فالرأس قد يرتبط بالهموم الفكرية، واليد بالعمل والكسب. وهل كان أحد آخر يساعده؟ فوجود من يساعده يدل على أنه ليس وحيدًا في ضيقه. وكذلك كيف انتهى المنام، فالنهاية الهادئة تبعث على الاطمئنان.
ومن الناحية النفسية، يرى المختصون أن أحلامنا عن الآخرين تعكس في الغالب مشاعرنا نحوهم أكثر مما تعكس أحوالهم الحقيقية. فمن رأى أمه تنزف ربما كان قلقًا على صحتها، أو شاعرًا بأنه قصر في حقها. ومن رأى صديقه ينزف ربما تذكر خلافًا بينهما. والحلم ليس إشارة طبية لا للحالم ولا لغيره، فإن كان هناك قلق حقيقي على صحة شخص فالأولى أن يُنصح بمراجعة الطبيب.
ومن الجميل أن يحول الحالم قلقه إلى عمل نافع، فيتصل بالشخص الذي رآه ويطمئن عليه، ويدعو له بظهر الغيب، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب من أطيب الأعمال. وبهذا يتحول المنام المقلق إلى سبب لصلة الرحم وتقوية المودة، وهذا خير في كل حال.
ويشير بعض المعبرين إلى أن رؤية شخص ينزف قد تكون أحيانًا مرآة لحال الحالم نفسه، فقد يرى الإنسان غيره في الموقف الذي يخشى أن يكون فيه، لأن النفس تتحاشى أحيانًا أن ترى صاحبها في الضيق فتنقله إلى غيره. ولذلك يحسن بالحالم أن يسأل نفسه: هل أشعر أنا بالاستنزاف أو الإرهاق؟ هل هناك ما يؤلمني ولم أعترف به؟ فإن وجد في نفسه شيئًا من ذلك، فليرفق بها، وليمنحها حقها من الراحة والعناية، فإن لنفسه عليه حقًا كما لغيره عليه حق.
ونختم بأن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يصيب ويخطئ، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار أو حكم في الواقع. والمسلم إذا رأى ما يكره استعاذ بالله من شره، وأكثر من الدعاء له ولمن يحب، وأحسن الظن بربه. والغيب لله وحده، وهو الحافظ لعباده الرحيم بهم.
