رؤية المريض للدم في منامه من الرؤى التي قد تثير قلقه بشكل خاص، لأنه يعيش أصلاً حالة من الانشغال بصحته، فيظن أن الرؤيا تحمل إشارة تتعلق بمرضه. وهي رؤية شائعة بين المرضى، إذ يكون الذهن مشغولاً بالجسد وأوجاعه، فيعكس ذلك في المنام. ومن الضروري أن يتذكر المريض أن المنام لغة رمزية، وأن رؤية الدم لا تدل على تطور في حالته الصحية لا سلباً ولا إيجاباً. بل هي صورة تعكس في الغالب انشغاله الطبيعي. ولهذا ينبغي أن يتلقاها بطمأنينة ويستمر في علاجه.
والدم في رمزية المنام يرتبط عند كثير من المعبرين بخروج الهم والعلة، فقد كان يُعتقد قديماً أن خروج الدم الفاسد سبب للشفاء. ولذلك يميل كثير من المعبرين إلى قراءة خروج الدم من المريض قراءة متفائلة. فإذا رأى المريض الدم يخرج منه، فقد يُقرأ ذلك على خروج العلة وقرب العافية بإذن الله. وقد يحمله بعضهم على تخفيف الألم أو تحسن الحال. وفي أحيان أخرى قد يكون مجرد انعكاس لما يمر به من فحوصات وعلاجات.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن خروج الدم من البدن قد يدل على زوال الهم، وأن المريض إذا رأى ما يدل على الخروج والتطهر كان أقرب إلى العافية. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن خروج الدم الفاسد من المريض قد يشير إلى الشفاء، وأن الاغتسال بعده يزيد الرؤيا حسناً. وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤيا المريض كثيراً ما تكون من حديث النفس لانشغاله بمرضه. وهذه أقوال متعددة، وهي اجتهادات لا يُقطع بها. ولا يجوز أن تُبنى عليها توقعات طبية بأي حال.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل الرؤيا، فخروج الدم مع شعور بالخفة والراحة أقرب إلى المعنى الحسن. ولون الدم له اعتبار، فخروج الداكن ثم صفاؤه من الصور المطمئنة عند المعبرين. ووجود الطبيب أو الأهل في المشهد قد يلتفت إليه بعضهم. وما يعقب الرؤيا من شعور بالنشاط أو التعب من القرائن. لكن ينبغي التأكيد مراراً على أن كل هذا رمزي لا علاقة له بالتشخيص.
وإذا كانت المريضة امرأة ورأت الدم، فقد يحمل بعض المعبرين ذلك على قرب تعافيها وعودتها إلى نشاطها ورعاية أسرتها. وإن رأت أنها تغتسل بعد ذلك، فقد يُقرأ على تمام العافية بإذن الله. وإذا كان المريض رجلاً، فقد يُقرأ خروج الدم على زوال الهم الذي يرافق المرض، وعودته إلى عمله ونشاطه. وإذا كان المريض طفلاً ورأى الوالدان الدم في منامهما، فقد يعكس ذلك قلقهما الطبيعي عليه.
وإذا كان المريض يمر بمرض مزمن، فقد تعكس رؤيته للدم إرهاقه من طول العلاج، أو أمله في الشفاء. وإن كان يستعد لعملية جراحية، فقد تكون الرؤيا صدى طبيعياً لقلقه منها. وإن كان في فترة نقاهة، فقد يُقرأ خروج الدم على اكتمال التعافي. وفي كل الأحوال تبقى هذه القراءات احتمالات رمزية لا تغني عن رأي الطبيب.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يرى المريض أنه يقوم من فراشه بعد خروج الدم ويمشي، فقد يحمله بعض المعبرين على النهوض من المرض. وإن رأى أنه يغتسل ويلبس ثياباً نظيفة، فذلك من الصور المطمئنة. وإن رأى أن أهله يحيطون به ويبتسمون، فقد يدل على فرج وسرور. وإن رأى أنه يصلي أو يدعو، فذلك من أحسن الصور الدالة على اللجوء إلى الله. وهذه قرائن تُضم إلى بعضها.
ومن الناحية الصحية، وهي الأهم هنا، فإن الحلم ليس علامة طبية بأي حال، ولا يدل على تحسن الحالة أو تدهورها. فالذي يحدد الحالة الصحية هو الفحص الطبي والمتابعة مع الطبيب المختص. وعلى المريض أن يستمر في علاجه وأن يلتزم بتعليمات طبيبه، وألا يغير شيئاً في خطته العلاجية بناء على منام. وإن شعر بأي عرض جديد في يقظته فليراجع الطبيب فوراً.
ومن الجوانب العملية والروحية أن يحرص المريض على الصبر والاحتساب، فإن المرض كفارة ورفعة لمن صبر. كما يحسن به أن يكثر من الدعاء والذكر وقراءة القرآن، فإنها تبعث السكينة في القلب. وأن يحيط نفسه بمن يحبهم ويرفعون معنوياته. فإن الحالة النفسية الطيبة تعين على التعافي.
وفي الختام، يبقى تأويل الأحلام اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار علاجي أو حياتي. فإن رأى المريض ما يسره حمد الله واستبشر، وإن رأى ما يقلقه استعاذ بالله منه ولم يلتفت إليه. وليكثر من الدعاء وحسن الظن بالله، فهو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه. والغيب عند الله وحده. والله أعلم.
