الجبن المعتق هو الذي تُرك مدة طويلة حتى نضج وتركزت نكهته وصار قوامه متماسكًا وربما متفتتًا، ومنه أنواع تُعتّق شهورًا وسنين. وحين يراه الإنسان في منامه قد يشعر بنوع من الوقار والعراقة، كأن الزمن اشتغل فيه. وهذه الرؤية ليست مألوفة لكثيرين، لكنها تبدو غنية بالرمز. ويظل كل ما نقوله احتمالًا تقريبيًا لا حقيقة محققة.
والجبن بوجه عام عند المعبّرين رمز للرزق الذي ينشأ من لبن بعد تحويل وجهد، ويرمز للتجارة وللمال المخزون وللفائدة التي تبقى. وإن كان فاسدًا فقد يدل على كسب مشوب بالكدر. فالجبن في حقيقته ابن الصبر والوقت، وهذا هو سر ارتباطه بالرزق المنتظم. ومن هذا المدخل نقترب من المعتّق.
وللتعتيق معنى خاص، فهو مرور زمن تتحول فيه المادة إلى ما هو أرقى وأعمق، ولذلك قد يُقرأ الجبن المعتق رمزًا لرزق جاء بعد صبر طويل أو لمال قديم مدّخر أو لعلاقة تجارية عريقة. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الجبن مال يُصاب بشيء من المشقة، وذهب بعض المفسرين إلى أن ما طال حفظه من الطعام دلّ على مال باقٍ، وهم يختلفون في ذلك. فلا يصح أن نحكم بقول واحد وكأنه ثابت. وكل ذلك من باب الاجتهاد.
ويتغير المعنى بتغير الحال؛ فإن كان الجبن المعتق طيب الرائحة متوازن الملح فهو أقرب إلى خير ناضج مطمئن. وإن كان شديد الجفاف أو عليه عفن غير مرغوب فقد يشير إلى أمر طال انتظاره حتى فقد حيويته أو إلى مال ينبغي مراجعته. والكمية تؤثر، فالقطعة الصغيرة الفاخرة قد تدل على رزق قليل نفيس، والكتلة الكبيرة على سعة. وكذلك من أعطاك إياه، فإن كان شيخًا كبيرًا أو أبًا فقد يوحي بحكمة وإرث.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى ثمرة عمل طويل قريبة أو إلى استقرار يتحقق بعد جهد، وللتاجر إلى سمعة راسخة وعلاقات تجارية قديمة تنفع. وللموظف قد يرمز إلى ترقية أو تقدير بعد خدمة طويلة، على سبيل الاحتمال. وليس ذلك وعدًا.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى استقرار الأسرة واستمرار الود والعشرة الطويلة. وللمرأة الكبيرة قد يرمز إلى ثمرة سنوات من التعب في تربية الأولاد. وللفتاة العزباء قد يعني نضجًا في الرأي وهدوءًا في الاختيار. وهذه كلها قراءات احتمالية.
ومن الدقائق أن ننظر في مكان التخزين: هل كان الجبن في قبو بارد أو رف أو قماش معلّق؟ فالقبو قد يوحي بأمر مستور مدخر، والرف بأمر ظاهر متاح. وهل كان عليه غلاف شمعي أو قشرة؟ فقد يعني حفظًا وحماية. وهل شعر الرائي بالاعتزاز بامتلاكه؟ فقد يدل على رضا بما عنده. وهذه الأمور كلها استئناس لا قطع.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن حنين إلى الأصالة والجذور وإلى أشياء تحسّنت بالزمن، أو عن إحساس الرائي بأن ما يسعى إليه يحتاج وقتًا لينضج. وقد يكون تذكيرًا بعدم الاستعجال وبأن الصبر جزء من الثمرة. ومن المفيد أن يوظف الرائي هذا الإحساس في التخطيط بعيد المدى. وليكن ذلك بعقل صاف وتفاؤل معتدل.
وللتعتيق في الجبن جانب آخر يلفت النظر، وهو أن الجبن المعتق يتطلب ظروفًا مناسبة من برودة ورطوبة وصبر وعناية، فلو اختل شيء من ذلك فسد أو فقد جودته. وقد يرى بعضهم في ذلك إشارة إلى أن بعض الأرزاق والعلاقات تحتاج إلى بيئة صالحة لتنضج، كحسن الخلق والتعاون والبعد عن الشبهات. وهذا تأمل لطيف يصلح مادة للعبرة، لا دليلًا على أمر غيبي. وإن رأى الرائي نفسه يقلّب الجبن في القبو ويعتني به فقد يُقرأ ذلك على أنه يحسن رعاية ما بين يديه ويصبر عليه.
وإذا ظهر المعتق في الحلم مع نبيذ أو أطعمة محرمة فلا يُحمل ذلك على أمر مقصود، فقد تكون الصورة آتية من أفلام أو مطاعم أو صور شاهدها الرائي، والأحلام كثيرًا ما تخلط ما نراه ببعضه. والأولى أن يعرض الرائي عن هذه التفاصيل ولا يتوقف عندها، وأن يتذكر أن الحلم ليس ميزانًا لدينه ولا لدنياه. وإن شعر بنفور فليستعذ بالله، وليبدأ يومه بذكر الله وبما ينفعه من العمل والعبادة.
وقد يتبادر إلى الذهن أن للجبن المعتق ارتباطًا بكبار السن أو بالأجداد، ولا سيما إن كانت رائحته تذكّر الرائي ببيت قديم أو قرية أو مطبخ جدة. فإذا كان الحلم مصحوبًا بحنين وشوق فقد يكون أثرًا نفسيًا لطيفًا يحمل ذكرى طيبة، وعندئذ تكون القراءة النفسية أقرب من القراءة الرمزية. وفي ذلك تعليم لنا أن بعض الأحلام إنما هي ذاكرة تنشط في النوم، لا خبر ولا نبوءة.
وأخيرًا فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في قرارات المال والمصير، والغيب لله وحده. فمن رأى ما يسره فليحمد الله ويدعُه بالمزيد، ومن رأى ما يكره فليحسن الظن بربه ويستعذ به. وحسن الظن بالله والعمل بالأسباب هما الطريق الآمن.
