كثيرًا ما يرى الإنسان في منامه مائدة إفطار صباحية، عليها الخبز والجبن والزيتون وكوب من الشاي أو الحليب. وهذه الصورة قريبة من حياة الناس اليومية، فلا عجب أن تتكرر في أحلامهم، وقد لا تكون أكثر من صدى لعادة أو شوق إلى لمّة أهل. ومع ذلك فإن لهذه الرؤية جانبًا رمزيًا يستحق التأمل بهدوء، على أن نتذكر أنه ظني لا قطعي، وأنه لا يخرج عن حدود الاحتمال.
الجبن في المنام يُنظر إليه عند كثير من المعبّرين على أنه رمز للرزق الذي يأتي بعد جهد وتحويل، فهو أصله لبن ثم صار بالعناية جبنًا، ويُنظر إليه كذلك رمزًا للتجارة والمال المدّخر والفائدة الباقية. وإن كان فاسدًا فقد يدل على كدر في الكسب أو تأخر في الثمرة. وهذه القاعدة العامة نحملها معنا إلى كل سياق ثم نضيف إليها خصوصية المشهد وحال الرائي.
أما الإفطار فهو أول طعام يُؤكل بعد ليل طويل، وهو في الذهن العام بداية يوم وفاتحة عمل ورزق، ولذلك قد يُقرأ اقتران الجبن به على أنه إشارة إلى بدايات بسيطة مباركة أو إلى استهلال حسن للسعي. وقد نُسب إلى ابن سيرين ربط الجبن بالمال المكتسب بشيء من التعب، ولم يذكر الإفطار تحديدًا فيما نُقل عنه، فنحن نقيس بحذر. وذهب بعض المفسرين المتأخرين إلى أن الطعام في أول النهار يدل على سعي مبكر، واختلفوا في ذلك. فلا ينبغي أن نتعلق بقول بعينه.
ويتغير المعنى بتغير الحال والتفاصيل؛ فإذا كان الجبن طازجًا طيب الرائحة والمائدة مرتبة والجو هادئًا فذلك أقرب إلى خير وسكينة ورزق ميسّر. وإن كان الجبن قد فسد أو كانت المائدة مضطربة أو كان الرائي متعجلًا فقد يعني ذلك قلقًا أو استعجالًا في أمر يحتاج إلى تأنٍّ. والكمية قد تعبّر عن السعة أو القناعة، ومن شاركك الإفطار يؤثر في الدلالة، فالأهل يدلون على ألفة، والزملاء على تعاون. وكذلك الحال في طعم الجبن وملوحته وقوامه.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى صباح عمل جديد أو بداية مشروع صغير أو رزق متدرج يبدأ بالقليل، وقد يعكس شعورًا بالمسؤولية عن أهله. وللتاجر قد يعني فتح محل أو استقبال أول زبون ببركة. وللموظف قد يعني انتظامًا في الدوام وراحة في المهام. وكل ذلك لا يتعدى الاحتمال.
وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تدبيرها لمائدة بيتها وحرصها على إفطار أسرتها، وللأم إلى جهد صباحي تبذله لأولادها. وللفتاة العزباء قد يعني بداية مرحلة أو نشاط جديد تستهل به أيامها. وللحامل قد يكون انعكاسًا لحاجتها إلى الغذاء المتوازن. وهذه كلها قراءات تقريبية.
ومن الدقائق أن ننظر في توقيت الإفطار: هل هو في الفجر أو الضحى؟ فالفجر قد يوحي ببكور وبركة، والضحى باتساع وقت. وهل هو إفطار رمضاني بعد صيام؟ فيكون المعنى أقرب إلى فرج وشكر، وليس لنا أن نجزم. وهل كان الجبن إلى جانب البيض والفول؟ فقد يدل على تنوع المصادر، وإن كان وحده فقد يدل على قناعة وبساطة. وهل أتم الرائي الأكل أم قُطع عليه؟ فالتمام قد يوحي باكتمال أمر، والانقطاع بتأخر.
وإذا تذكر الرائي أن المائدة كانت عامرة بالضيوف فقد يدل على كرم وصلة رحم، وإن كانت لشخص واحد فقد تدل على استقلال أو خلوة. وقد يرمز الجبن إذا قُدّم إلى الغير إلى إحسان ينتفع به الآخرون. والأحلام في هذا الباب واسعة التلوّن، فلا يصلح تحجيرها في قاعدة واحدة، ويظل الأمر مرهونًا بشعور صاحبه عند الاستيقاظ.
ومن الجانب العملي والنفسي قد يكون الحلم دعوة إلى الاهتمام ببداية اليوم، فالفطور قاعدة للنشاط والذهن، وربما نبّه الرائي إلى أنه يهمل وجبته الأولى أو يستعجلها. وقد يكون كذلك شوقًا إلى جلسة أسرية افتقدها في زحمة العمل. ومن الجميل أن يتخذ من ذلك سببًا لاستعادة هذه الجلسة، وإضافة ذكر الله والحمد قبل الطعام وبعده، فتكون البركة فعلية في يقظته.
ولو تأملنا عادات الناس في الإفطار لوجدنا أن الجبن يرافق الخبز الساخن أو المحمص، وأن الخبز في تعبير الأحلام عند كثير من المفسرين رمز للمعيشة والكفاية، فاجتماعهما على المائدة قد يُفهم على أنه كفاية في الرزق واستقرار في العيش. وإن كان الخبز طريًا فقد يدل على يسر، وإن كان يابسًا فقد يدل على تعب أو انتظار. وإن رأى الرائي أنه يعدّ الإفطار لغيره فقد يُقرأ على أنه بذل وإحسان وقيام بحق الأهل، وإن رأى غيره يعدّه له فقد يدل على رعاية يلقاها. وكلها قراءات عامة تحتمل الخطأ والصواب.
وفي الختام يجدر التأكيد أن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار مالي أو مصيري. والغيب علمه عند الله وحده، فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يكره فليستعذ بالله وليحسن الظن بربه وليكثر من الدعاء. ولتكن طمأنينتنا من اليقين بالله لا من تأويلات البشر.
