الجبن الأزرق في المنام صورة غير عادية، فهو نوع من الجبن المعتّق الذي تتخلله عروق زرقاء مخضرة، وله رائحة قوية وطعم حاد يحبه بعض الناس وينفر منه آخرون. وقد يراه الرائي لأنه تذوقه من قبل أو شاهده في برنامج طهي أو مطعم، وقد يراه دون أن يعرف شيئًا عنه. وكثير من هذه الأحلام الغريبة تأتي من الذاكرة البصرية التي تمزج الصور بلا ترتيب، فلا ينبغي التسرع بإعطائها دلالة غيبية. ومع ذلك فالتأمل الرمزي مباح على سبيل الاستئناس.
الجبن في أصله رمز للرزق الذي يأتي بعد معالجة وصبر، وللتجارة والمدّخر. وما يميز الجبن الأزرق أنه يُصنع بإدخال عفن نافع متعمد، فهو يجمع بين الفساد الظاهر والصلاح الباطن، وبين الغرابة والجودة. فقد يُقرأ رمزيًّا على أنه رزق غير مألوف يأتي من باب لم يخطر على البال، أو أمر ظاهره منفّر وباطنه نافع. وقد يكون في الوقت نفسه تنبيهًا إلى ضرورة التمييز بين العفن النافع المقصود والعفن الضار، أي بين الغريب الطيب والغريب المشبوه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يُتداول أن الألوان غير المألوفة في الأطعمة قد تدل على تغير أو حيلة أو رزق من وجه غير معتاد، وأن اللون الأزرق قد يكون له دلالات متنوعة بحسب سياقه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأمور الغريبة في الأطعمة قد تدل على كسب غير مألوف، وربما حمل معنى الحيرة. ومع ذلك فقد اختلف المفسرون كثيرًا في الألوان وفي نسبة الأقوال، ولا يوجد قول متفق عليه. فنحن نذكرها لبيان طريقة التفكير لا لإثبات حكم.
ويتغير المعنى بتفاصيل الحلم: فإن كان الرائي يتناول الجبن الأزرق بتلذذ وتقبل فقد يُحمل على قدرة على الانتفاع بما يراه الناس غريبًا. وإن اشمأز منه وتركه فقد يدل رمزيًّا على تحفظ تجاه أمر مستجد أو عرض غير مألوف. وإن كان أحد يقدمه إليه فقد يُنظر إلى هذا الشخص وما يعرضه من فرصة أو فكرة. وكذلك حدة الرائحة وكمية العروق تعطي إحساسًا بمدى الجرأة أو التحفظ في التعامل مع الجديد.
أما الفتاة غير المتزوجة فقد يعكس الحلم عندها ترددًا بين الجديد والمألوف، كعرض أو فرصة أو تعرف على شخص مختلف، وقد يكون مجرد صورة عابرة. فإن قبلت الجبن الأزرق بهدوء فهو أقرب إلى انفتاح محمود، وإن نفرت منه فهو حذر مشروع. وعليها أن تستخير الله في أمورها وتستشير أهل الرأي، ولا تحمّل الحلم أكثر مما يحتمل.
وأما المرأة المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بتجربة جديدة في البيت أو في الطبخ أو في العلاقات، وقد يرمز إلى أمر غير مألوف يحتاج إلى تفاهم. وقد يكون أثرًا لمشاهدة وصفة جديدة. أما الحامل فالحساسية من الروائح القوية واضحة في الحمل، فتأخذ الحلم على هذا الوجه، وتدعو الله بالعافية دون انشغال بالتأويل.
وأما الرجل والتاجر فقد يفسر بعضهم الجبن الأزرق بتجارة نوعية أو سلعة نادرة أو صفقة غير تقليدية قد تنجح مع قوم وتفشل مع آخرين. وقد يرمز أيضًا إلى ضرورة الحذر من عروض ظاهرها جذاب وباطنها غير واضح. وهذا كله مجرد احتمال، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار شراكة أو استثمار. والواجب التحري والتوثيق والاستشارة، مع طلب الحلال.
ومن الدقائق: هل كانت العروق زرقاء أم خضراء، وهل كان الجبن طريًّا يُدهن أم متفتتًا، وهل ارتبط بمطعم فاخر أو بمنزل بسيط. فالمطعم الفاخر قد يوحي بتطلع إلى رفاهية، والمنزل البسيط بجمع الغريب في الإطار المألوف. كذلك هل بقي طعمه في فم الرائي بعد الاستيقاظ، فهذا من أثر الحلم النفسي. وكل ذلك من باب الاستئناس الذي لا يلزم أحدًا.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى التوازن بين الانفتاح على الجديد والحذر من الغريب غير المأمون. فالمؤمن لا يرفض كل جديد ولا يقبل كل جديد، بل يزن الأمور بميزان الشرع والعقل. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه عن عرض أو فكرة مستجدة أمامه: هل هي نافعة حلال أم مشبوهة؟ وأن يتمهل قبل القرار، ويستعين بالله. فبعض الغرابة تكون نعمة، وبعضها فتنة.
وخلاصة القول أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الشراكات. فمن رأى ما يكره فليستعذ بالله ولا يحدّث به، ومن رأى ما يسر فليحمد الله ويحسن الظن به. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فنسأله أن يرزقنا البصيرة والتوفيق وحسن التمييز، وأن يبارك لنا في أرزاقنا.
