يحدث أحياناً أن يرى النائم أنه أكل جبناً ثم أحس بألم أو ثقل في معدته، فيستيقظ وفي نفسه شيء من القلق. وهذا النوع من الأحلام يشيع عند من تناول طعاماً دسماً قبل النوم، فهو في كثير من الأحيان أثر من آثار الجسد لا رسالة غيبية. ولذلك يُقرأ الحلم قراءة رمزية هادئة لا حرفية، ولا يُجعل مبعث خوف.
وينبغي أن يُقال بوضوح إن الحلم ليس إشارة طبية ولا علامة تشخيص، فإن كان الألم موجوداً في اليقظة أو تكرر فالمرجع الطبيب المختص لا كتب التعبير. فالأحلام لا تغني عن الفحص، ولا يصح الاستدلال بها على صحة الإنسان أو مرضه. وبعد هذا التنبيه يمكن الحديث عن المعاني الرمزية بسكينة.
والجبن في الأحلام يرتبط عند كثير من المفسرين بالرزق المكتسب بجهد، لأنه يخرج من اللبن بعد صنعة وانتظار، وبالتجارة والادخار والمعيشة المتواضعة. وهو طعام يبقى فترة ويُحفظ، فيشير إلى نفع يدوم نسبياً. أما إذا ظهر مع الجبن ثقل أو ألم فقد يُفهم على أن في الكسب شيئاً من التعب أو الهم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن ما كان من اللبن وفروعه يدل على مال حلال يحتاج إلى مشقة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من ذلك. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل الأطعمة والأعراض المصاحبة لها، فلا يصح الجزم بقول واحد، ولا الاطمئنان إلى صحة كل نسبة.
والمعدة في الرؤيا قد تُفهم عند بعضهم على أنها موضع الرزق والنفقة، فألمها بعد أكل الجبن قد يرمز إلى انشغال الرائي بحال معاشه أو إلى ثقل المصروفات على نفسه. ويمكن أيضاً أن يكون المعنى أن بعض المكاسب تحتاج إلى تأنٍّ حتى لا تُرهق صاحبها. وهذه كلها احتمالات لا تتجاوز حدود الظن.
ويختلف التأويل بحسب السياق، فإن كان الألم خفيفاً زائلاً سريعاً فهو أقرب إلى معنى هم عابر، وإن كان شديداً فقد يعكس قلقاً أكبر على أمر من أمور الحياة. وكذلك طعم الجبن وكميته وكون الرائي جائعاً أو شبعان لها أثر في الصورة. وكل ذلك قرائن ظنية لا يقوم عليها حكم.
وللرجل قد يشير الحلم إلى ضغط في العمل أو التزامات مالية، وللتاجر إلى بضاعة أو دين يحتاج إلى تدبير. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن انشغالها بنفقات البيت، وللفتاة غير المتزوجة عن قلق من المستقبل. والحامل أولى الناس بألا تتأمل في مثل هذا الحلم أكثر مما ينبغي، وأن تستشير طبيبها في أي شعور حقيقي.
ومن الناحية النفسية فالحلم قد يكون صدى لضغوط الحياة أو لإفراط في الطعام أو لقلة النوم، وهو دعوة لطيفة إلى الاعتدال في الأكل والتخطيط للمصروف والرفق بالنفس. ومن أخذ بالأسباب في صحته ومعاشه ثم توكل على الله وجد سكينة. والرضا بالقليل مع حسن التدبير أنفع للبدن والروح معاً.
ويجدر بالذكر أن كثيراً من الناس يخلطون بين الأحلام والأحاسيس الجسدية التي تحدث أثناء النوم، فالمعدة الممتلئة أو الحموضة أو الجوع قد تنعكس في الحلم بصور تتعلق بالطعام والألم. فإذا كان الرائي قد تناول عشاءً دسماً أو متأخراً، فالأرجح أن الحلم صدى لذلك، ولا حاجة إلى البحث عن معنى أبعد. وفي هذا طمأنينة لمن يخاف من تأويل ما رأى.
ومن جهة التأويل الرمزي فقط، قد يُفهم الألم في الحلم على أنه إشارة إلى ثقل مسؤولية أو التزام يحمله الرائي، فيكون الجبن رمزاً للمال والمعاش والمعدة رمزاً لمحل الاحتمال والتحمل. فيكون المعنى أن الرائي يشعر بثقل في أمر معاشه، وهذا الشعور مفهوم ومشترك بين كثير من الناس. ويمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تخفيف الأعباء وتنظيم الأولويات وطلب العون من الله ثم من الأهل والأصدقاء.
وليس من الحكمة أن يتخذ الإنسان من الأحلام سبيلاً لتقويم صحته أو قراراته، فالأحلام لا تُغني عن التجربة والاستشارة والعلم. والطبيب هو المرجع في كل ما يتعلق بالبدن، وأهل الخبرة هم المرجع في شؤون المال والعمل. وهذا من تمام الأخذ بالأسباب الذي أمر به الدين، دون إفراط في التعلق بالمنامات.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يجعل منه فرصة لمراجعة نمط عيشه، فيخفف من الأطعمة الثقيلة في آخر الليل، ويشرب ما يكفيه من الماء، وينام في وقت مناسب. فهذه كلها أسباب تُحسن الراحة والنوم وتقلل من الأحلام المزعجة بإذن الله. وليس في هذا النصح ما يخالف التأويل، بل هو من تمام النظر المتوازن في أمر الجسد والروح.
وخلاصة القول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ وقد يصيب، ولا يجوز بناء قرار حقيقي عليه، وأي ألم حقيقي يستدعي مراجعة الطبيب. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلندعُه بالعافية والخير ونحسن الظن به سبحانه، فهو أرحم بنا من أنفسنا.
