الجبن ذو الرائحة الكريهة في المنام مشهد قد يوقظ النائم منزعجًا، فالرائحة من أقوى المؤثرات التي ترتبط بالذاكرة والمشاعر. ومن الشائع أن يرى بعض الناس أحلامًا فيها روائح نفاذة بسبب أمر عارض كعطر قوي أو طعام في المطبخ أو حتى سوء تهوية في الغرفة. فلا ينبغي أن نسارع إلى تفسير سلبي، فالحلم قد يكون ناتجًا عن أثر عضوي أو نفسي بحت. ومع ذلك فإن التأمل الرمزي فيه جائز بقدر، على أنه اجتهاد لا جزم فيه.
للجبن رمزية عامة تتصل بالرزق الذي يُنال بعد معالجة وصبر، وبالتجارة والمدّخر من الطعام. فإذا خالطته رائحة كريهة فقد يوحي ذلك رمزيًّا بأن هذا الرزق أو هذا الأمر فيه شيء غير مريح، كمال يأتي بمشقة أو معاملة فيها شبهة أو صحبة تضايق النفس. والرائحة قد ترمز كذلك إلى أخبار أو أقوال غير حسنة تنتشر حول الإنسان أو يسمعها. والمقصود أن الرائحة هنا ليست حكمًا على الجبن بل هي ما يلفت الانتباه إلى حال الأمر المرموز إليه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يُتداول أن الرائحة الطيبة في المنام تدل على ذكر حسن وسمعة طيبة، وأن الرائحة الخبيثة قد تدل على عكس ذلك من قول أو فعل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الروائح المنتنة قد تشير إلى هموم أو إلى كسب مكروه إن كانت مرتبطة بطعام أو شراب. على أن المفسرين اختلفوا في ذلك، ومنهم من قال إن للرائحة معاني متعددة بحسب سياقها، وفي ثبوت بعض المنقول كلام. فهي أقوال للاعتبار لا للجزم.
ويتغير المعنى بحسب شدة الرائحة وسياقها: فالرائحة الخفيفة التي تزول بسرعة قد تدل على انزعاج عابر، والشديدة المستمرة قد تدل على أمر يحتاج إلى معالجة جادة. وإن كان الجبن صالحًا في ظاهره لكن رائحته غريبة فقد يُحمل على أمر ظاهره حسن وباطنه مشكوك فيه، وهذا من باب الاحتمال. وإن كان الرائي يعرف أن بعض أنواع الجبن رائحتها قوية بطبيعتها كالمعتق، فلا ينبغي أن يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. وكذلك مكان وجود الرائحة ومن حضرها يعطيان قرائن إضافية.
أما الفتاة غير المتزوجة فقد يعكس الحلم عندها ضيقًا من أحاديث الناس أو من موقف أزعجها أو من علاقة غير مريحة، وقد لا يكون له علاقة بأحداث قادمة. فإن استطاعت في الحلم أن تبعد الجبن أو تفتح النافذة، فهذا أقرب إلى معنى التخلص من الضيق. وعليها أن تحرص على صحبة صالحة وكلام طيب، وأن تستعين بالدعاء والذكر. فالرؤيا ليست حكمًا على مستقبلها.
وأما المرأة المتزوجة فقد يرتبط الحلم عندها برغبة في إصلاح جو البيت أو التعامل مع ضغط يومي أو مع كلام يسيء إليها من أقارب أو جيران. وقد يكون أثرًا لرائحة فعلية في المطبخ أو الثلاجة. أما الحامل فالحساسية من الروائح أمر معروف في الحمل، فكثيرًا ما تكون هذه الرؤيا مجرد انعكاس لذلك. وعليها أن تهدأ وتأخذ بالأسباب الصحية وتدعو الله بالسلامة.
وأما الرجل والتاجر فقد يُقرأ الحلم رمزيًّا على أنه تنبيه إلى صفقة أو شراكة أو عمل لا تطمئن إليه النفس تمامًا، فيستحسن مراجعته. وإن كان صاحب عمل فقد يعني الحلم أن عليه التأكد من نظافة بضاعته وسلامتها. لكن لا يصح أن يُبنى على ذلك فسخ عقد أو اتهام أحد، فالأحكام تُبنى على الوقائع والأدلة. ولعل أنفع ما في الرؤيا أن يتحرى المرء الحلال والأمانة في معاملاته.
ومن الدقائق: هل كانت الرائحة تشبه رائحة حليب فاسد أم رائحة معتقة مألوفة، وهل أثّرت على من حوله أم عليه وحده، وهل أزالها أم هرب منها. فالهروب قد يرمز إلى تجنب مواجهة أمر، والمواجهة قد ترمز إلى شجاعة في الإصلاح. وكذلك اختلاط الرائحة بروائح طيبة قد يدل على أن الأمر ليس مظلمًا كله. وكل ذلك من باب الاستئناس بالصور لا الجزم.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد تكون الرؤيا دعوة إلى تنظيف النفس والبيئة المحيطة: كإصلاح كلام اللسان، وتجنب مجالس السوء، وتنقية المال من الشبهات، وترتيب المكان. فالأمور الصغيرة المهملة قد تُنتج روائح كريهة بالمعنى الحقيقي والمجازي. ويمكن للرائي أن يبدأ بترتيب بيته ومراجعة عاداته وتجديد نيته. وهذا النوع من التأمل مفيد حتى لو لم يكن للحلم أي دلالة غيبية.
وخلاصة الأمر أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يُؤسَّس عليه قرار حقيقي في المال أو العلاقات أو العمل. فمن رأى ما يكره فليستعذ بالله ولا يحدّث به أحدًا، وليحسن ظنه بربه، وليبادر بالدعاء والعمل الصالح. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أرحم بنا من أنفسنا، فلنطلب منه الستر والعافية وطيب الرزق.
