قد يرى الإنسان في منامه بيتزا يعلوها الجبن الذائب الممتد، يأكل منها شريحة أو يشاركها مع أصدقاء أو أسرته. وهذا المشهد عصري مألوف يتكرر في أحلام الشباب خاصة، وغالباً ما يرتبط بالأنس والاجتماع. ومن الواجب أن نؤكد أن التأويل رمزي احتمالي لا حرفي، فلا يُجعل نبوءة بشيء بعينه.
والجبن في الأحلام يُنظر إليه عند كثير من المفسرين على أنه رزق يأتي بعد جهد ومعالجة، لأنه ثمرة صنعة مأخوذة من اللبن، فيرتبط بالتجارة والكسب الثابت المحدود والطعام المدخر. وأما البيتزا فهي طعام مركب من عجين وصلصة وإضافات متنوعة، فتوحي بتعدد المكونات وتنوع المصادر. فاجتماعهما يوحي برزق متعدد الأبواب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس من كتب التعبير أن الأطعمة المتخذة من اللبن تدل على مال حلال بعد مشقة، وأن الخبز والعجين يدلان على المعاش، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من ذلك. ولم تكن البيتزا معروفة بهذا الاسم في عصرهم، فلا يُنسب إليهم فيها قول خاص، وإنما يُقاس عليها ما ذُكر في الأطعمة المشابهة قياساً ظنياً.
والبيتزا تُشارك عادة في دائرة من الناس، وتُقطع إلى شرائح يأخذ كل واحد نصيبه، فقد يُقرأ الحلم رمزياً على أن الرزق يُقسَّم ويُشارك فيه الآخرون، أو أن للرائي نصيباً في عمل جماعي. ويمكن أن يعبر عن رغبته في الاجتماع مع الأصدقاء والانتماء إلى جماعة. وهذا فهم نفسي واجتماعي قريب من الواقع.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كانت البيتزا ساخنة طازجة والجبن ذائباً فيها فذلك أقرب إلى معنى الأنس والخير. وإن كانت باردة أو محترقة فقد يدل على أمر يحتاج إلى ضبط وقته. وتؤثر كذلك عدد الشرائح ومن شاركه فيها، فالمشاركة مع الأهل غير المشاركة مع الغرباء.
وللرجل قد يشير الحلم إلى عمل يشارك فيه آخرين فيعود عليه بنفع، وللتاجر إلى تعدد مصادر الربح وتنويعها. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن لمة أسرية خفيفة وأنس البيت، وللفتاة غير المتزوجة عن دائرة صداقة طيبة. وللحامل فهو غالباً صدى لشهية الحمل، فلتعتدل ولتستشر طبيبها فيما يخص غذاءها.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي هل أعد البيتزا بنفسه أم طلبها أم قُدمت له، فالإعداد بنفسه يدل على جهد شخصي، والطلب على رزق يأتي بوسيط. وهل كانت متعددة الإضافات أم بسيطة، وهل أكل منها بهدوء أم بسرعة. وكلها قرائن ظنية تضيف ظلالاً ولا تقطع.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يعكس غالباً الميل إلى الأنس الاجتماعي والتخفف من ضغوط العمل، وفيه دعوة إلى الاعتدال في الأطعمة السريعة والعناية بالصحة. كما أنه تذكير بقيمة الجلوس مع الأحبة بعيداً عن الشاشات والانشغال. والقناعة تجعل اللمة البسيطة أحلى من الولائم الفاخرة.
ومن اللطائف أن الجبن الممتد في البيتزا صورة رمزية جميلة للروابط التي تمتد بين الناس، فكل شريحة تحمل خيطاً يصلها بغيرها. فلعل في الحلم دعوة إلى الحفاظ على الصلات وتقويتها. وهذا فهم لطيف يقبل غيره.
وليشكر الإنسان ربه على نعمة الأصحاب والأهل، وليحرص على مشاركة الطعام مع من يحتاجه. فالإطعام من أسباب البركة. ولا يتخذ من الحلم دليلاً على أمر غيبي، فهو صورة من صور النفس.
ومما يحسن ذكره أن الأحلام المتعلقة بأطعمة العصر الحديث كالبيتزا تعكس في الغالب ما اعتاد الإنسان عليه في يومه وأسلوب حياته، وليست بالضرورة رموزاً غيبية. فمن رأى البيتزا في منامه فقد يكون رآها في إعلان أو مرّ بمطعم أو تحدث عنها. وهذا التفسير الواقعي أولى من التأويلات البعيدة، وهو يريح النفس ويخفف عنها.
وقد يُنظر إلى البيتزا كذلك على أنها طعام يُوزع بالتساوي بين الجالسين، فيحمل معنى العدل في القسمة والإنصاف في المشاركة. فلعل الحلم يذكّر الرائي بأهمية العدل في تعامله مع شركائه وأهله وزملائه، وبأن البركة تحل حيث يحسن الناس قسمة ما بينهم. وهذا معنى أخلاقي جميل يخرج به المؤمن من منامه.
ومن الجانب العملي يحسن بمن رأى هذا الحلم أن ينظر في عاداته الغذائية، فيوازن بين الأطعمة السريعة والأغذية الصحية، ويحرص على الاعتدال. فالجسد أمانة، والعناية به من شكر النعمة. وليس في ذلك ما يتعارض مع التأويل، بل هو تمام النظر المتوازن في أمر الدنيا.
وفي الختام فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنتوجه إليه بالدعاء ونحسن الظن به سبحانه ونأخذ بالأسباب المشروعة، فهو أعلم بما يصلحنا.
