تحدث كثير من النساء المتزوجات عن رؤيتهن للجبن في المنام، سواء في المطبخ أو على مائدة الأسرة أو عند الشراء من السوق. وهي صورة قريبة جدًا من حياة المرأة اليومية، حيث الجبن جزء من وجبات الأولاد وسفرة الزوج. ولهذا قد لا يكون الحلم أكثر من انعكاس لانشغالها بشؤون البيت. ومع ذلك فللمعبّرين فيه كلام رمزي يُؤخذ بروح التواضع، فهو ظن لا يقين.
الجبن عند المعبّرين رمز للرزق الذي تسبقه صنعة وانتظار، وللمال المدّخر، وللتجارة، وللفائدة التي تدوم. ويدل فساده على كدر في الكسب أو تأخر في الثمرة. وهي قاعدة نسير بها في كل أحلام الجبن. ثم يأتي دور الخصوصية: حال الرائية، وعلاقتها بزوجها، ووضع أسرتها، وما جرى قبل النوم.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الجبن من الأموال التي تُصاب بتعب، ولم أجد في المنقول عنه ما يخص المرأة المتزوجة بعينها، فنُلحقه بالعموم. وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية الطعام الحسن للمرأة المتزوجة تدل على خير في بيتها وأسرتها، وبعضهم قيّد الأمر بحال الزوج ورزقه، واختلفت أنظارهم. فلا ينبغي أن نقطع بقول واحد، وإنما نأخذه فألًا حسنًا إن كان الحلم طيبًا.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل؛ فالجبن الطازج الطيب الرائحة قد يُقرأ على أنه رزق للبيت وبركة في المعيشة، وإن كان فاسدًا فقد يُقرأ على أنه نفقة تحتاج إلى مراجعة أو مصروف زائد ينبغي ضبطه. ومن قدّم الجبن مؤثر في المعنى: فإن كان الزوج فقد يرمز إلى عطائه وتحمله مسؤولية البيت، وإن كان أهلها فقد يرمز إلى صلة وبرّ. والكمية والطعم يضيفان دقة إلى القراءة، وكذلك مكان الجبن في الحلم.
وإن كانت الرائية ربة بيت فقد يعكس الحلم شعورها بمسؤولية التدبير اليومي وحرصها على ألا تقصر في حق أسرتها. وإن كانت تعمل خارج البيت فقد يشير إلى دخل إضافي أو مكافأة على جهد، على سبيل الاحتمال. وإن كانت تخطط لأمر مالي فقد يكون الحلم دافعًا للحذر، لا دليلًا على نجاح أو إخفاق.
وللأم التي ترى نفسها تطعم أولادها الجبن قد يُقرأ الحلم على أنه رعاية وبركة في ذريتها وقلق عليهم أحيانًا. وللمرأة التي تنتظر ولدًا قد يعني الصبر والرجاء بالله لا الجزم بشيء. وللحامل يرتبط الحلم كثيرًا بحاجة الجسم إلى الغذاء والكالسيوم. وللزوجة التي تمر بخلاف مع زوجها قد يكون الحلم نداء للهدوء والتفاهم. وهذه كلها قراءات عامة ظنية.
ومن الدقائق: هل كانت تشتري الجبن بسعر مرتفع أو بسيط؟ فالأول قد يعكس انشغالًا بالغلاء، والثاني قناعة. وهل كانت تحفظه للغد أو تستهلكه فورًا؟ فالحفظ قد يدل على ادخار، والاستهلاك الفوري على كفاية آنية. وهل كان الأولاد يتنازعون عليه؟ فقد يدل على حاجة إلى عدالة في العطاء بينهم. وليست هذه سوى ملحوظات تعين على النظر.
ومن الناحية النفسية قد يعبّر الحلم عن ضغط إدارة الميزانية أو عن رغبة المرأة في أن ترى بيتها عامرًا بالخير والكفاية. وربما كان تذكيرًا بأن تتقاسم الأعباء مع زوجها وأن تطلب العون عند الحاجة. وقد يعبّر عن حاجتها إلى لحظة راحة تأكل فيها بهدوء. والاهتمام بنفسها جزء من الاهتمام بأسرتها.
وقد تلاحظ المرأة المتزوجة أن الجبن في حلمها يظهر أحيانًا مع طعام لا يحبه زوجها أو لا يرغب فيه أولادها، فيُقرأ ذلك على أن في تفاصيل حياتهم اليومية أمورًا تحتاج إلى مراعاة الأذواق والحاجات، دون أن يكون في ذلك نذير بشيء. وإن رأت أنها تخبئ الجبن لوقت لاحق فقد يدل على حرص وتدبير، وإن رأته يفسد في الثلاجة فقد يدل على هدر ينبغي تجنبه أو على أمر أُهمل أمره. وهذه الدلالات من قبيل العبر اليومية لا الأخبار الغيبية.
وينبغي للمرأة ألا تبني على الحلم شكًّا في زوجها أو سوء ظن بمن حولها، فقد حذّر أهل العلم من تحميل الرؤى ما لا تحتمل من التأويلات التي تفسد العلاقات. فإذا رأت ما يزعجها فلتستعذ بالله وتتفل عن يسارها كما جاء في آداب الرؤيا الصحيحة، ولا تحدّث به أحدًا. وإذا رأت ما يسرّها فلتحمد الله ولتتحدث به لمن تحب من أهل الرأي والمودة. وفي ذلك سلامة للقلب وللبيت.
وفي الختام نقول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، وليس لأحد أن يبني عليه قرارًا في مال أو علاقة أو مصير. والغيب علمه عند الله وحده، فلتحسن الظن بربها ولتدعُه بصلاح الأهل والبركة في الرزق. ومن رأت خيرًا فلتحمد الله، ومن رأت ما تكره فلتستعذ بالله ولا تجعل المنام همًّا يثقل قلبها.
