قد يرى النائم أنه أُخبر بأن الجبن الذي بين يديه مسموم أو أنه شك في ذلك فامتنع عن أكله، وقد يرى أنه أكله ثم خاف. وهذه من الأحلام التي تترك أثراً من القلق عند الاستيقاظ، فنطمئن القارئ أولاً بأنها صور رمزية تمر في النفس ولا تعني خطراً حقيقياً. فتأويل الأحلام باب رمزي لا حرفي، ولا يُستدل به على سلامة طعام ولا فساده.
وينبغي أن يُقال بوضوح إن الحلم ليس علامة أمان ولا إنذار صحي، فإن كان للرائي شك حقيقي في طعام موجود فالمرجع هو التحقق منه وسؤال أهل الاختصاص والطبيب عند ظهور أي عارض صحي. ولا يغني الحلم عن هذا الأخذ بالأسباب. وبعد هذا التنبيه الهادئ يمكن الحديث عن المعاني الرمزية بسكينة.
والجبن في الأحلام يُنظر إليه عند كثير من المفسرين على أنه رزق يأتي بعد جهد ومعالجة، لأنه مصنوع من اللبن، فيرتبط بالتجارة والكسب المحدود الثابت وبالطعام الذي يُدخر. وإذا ارتبطت به صورة السم فإن المعنى الرمزي قد يتجه إلى الحذر من مال أو عرض يبدو جذاباً وفيه ما يستوجب التحقق. وهذا احتمال لطيف لا يعدو أن يكون تنبيهاً هادئاً.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس من كتب التعبير أن الأطعمة المصنوعة من اللبن تدل على مال حلال بعد مشقة، وأن ما فيه ضرر منها قد يدل على مكسب فيه شبهة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك في الأطعمة الفاسدة عموماً. وقد اختلف المفسرون في هذه التفاصيل، ولا يصح الجزم بها، فالمقصود أخذ المعنى العام بحذر وتواضع.
والسم في الرؤيا قد يُفهم رمزياً على أنه خوف من الضرر أو شعور بالشك تجاه أمر ما، فهو أقرب إلى صورة نفسية منه إلى نبوءة. فقد يكون الرائي مقبلاً على قرار مالي أو تعامل جديد فيشعر بقلق خفي يظهر في المنام بهذه الصورة. وهذا القلق في حد ذاته طبيعي ويدعو إلى التروي لا إلى الفزع.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كان الرائي هو من اكتشف الأمر وامتنع فذلك أقرب إلى معنى الحذر والسلامة بإذن الله. وإن أخبره أحد فقد يدل على نصيحة يأتيه بها قريب أو صديق في أمر المال. وإن كان الجبن مألوفاً وجاء من مصدر معروف فالأرجح أن الحلم مجرد قلق عابر. ولا يُستخلص من هذا كله ما يخيف.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى حذره من صفقة أو شراكة جديدة، وللتاجر إلى حرصه على صحة معاملاته وسلامة بضاعته. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن حرصها على صحة أسرتها وسلامة غذائهم، وللفتاة غير المتزوجة عن حذر عام من الإقدام على أمر لا تعرفه. وللحامل أن تطمئن تماماً، فالقلق على الغذاء في الحمل طبيعي، وسؤال الطبيب أولى من التأويل.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى مشاعره في الحلم، فإن كان هادئاً أو لم يخف كثيراً فالمعنى ألطف، وإن كان فزعاً فهو أثر القلق لا أكثر. وكذلك كيف انتهى الحلم، فإن كان بالنجاة أو الاستيقاظ بسلام فذلك يوحي بالسلامة. ومن الحكمة ألا يقتصر على الظاهر، فالرؤيا صورة متحركة تُفهم بمجموعها.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يدعو إلى مراجعة ما يثير القلق في الحياة اليومية، وإلى التأني في المعاملات المالية والتحقق من الأمور قبل الإقدام عليها. وفيه دعوة إلى التخطيط الجيد وحسن الاختيار، وإلى التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب. والاطمئنان الحقيقي يأتي من الثقة بالله لا من تفسير الأحلام.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن كثيراً من الأحلام المخيفة تأتي من قراءة أو مشاهدة أو حديث سمعه في يومه، فقد يكون سمع خبراً عن فساد طعام أو تسمم فاختزنته ذاكرته وأعاده في المنام. وفي هذه الحال لا يكون للحلم معنى زائد على ذلك. وهذا مما يهدئ النفس ويخفف من وقع الصورة.
ومن الحكمة أن يجعل الإنسان من الحلم دعوة إلى أن يتحرى الحلال الطيب في مطعمه ومكسبه، فذلك من أنفع ما يزكي النفس ويطمئن القلب. وإذا ساوره شك في طعام حقيقي فليتركه ولا يتكلف المخاطرة، وهذا من الأخذ بالأسباب لا من التشاؤم. وبعدها يتوكل على الله ويطمئن إلى حفظه.
كما أن الدعاء بالحفظ والسلامة والأذكار المأثورة صباحاً ومساءً من أحسن ما يُقابل به الإنسان القلق، وفيها طمأنينة لا توفرها كتب التأويل. فمن لزم ذكر الله وجد في قلبه سكينة تحجب عنه كثيراً من الوساوس. وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يخرج به من هذا الحلم.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ وقد يصيب، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في طعام أو مال أو عمل، وأي مخاوف صحية حقيقية تُعرض على الطبيب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلندعُه بالسلامة والعافية ونحسن الظن به سبحانه، فهو الحافظ الكريم.
