كثير من الحوامل يرين في منامهن أطعمة بعينها، والجبن من أكثرها لأن الجسم يحتاج في الحمل إلى الكالسيوم والبروتين، وقد تتغير الشهية والروائح والأذواق. فلا عجب أن تجد الحامل نفسها تحلم بالجبن، تأكله أو تشتريه أو تتشهّاه. وهذه الرؤية قد تكون في كثير من الأحيان انعكاسًا جسديًا ونفسيًا مباشرًا لا رسالة خفية. ومع ذلك فلتأمّلها وجه رمزي نعرضه بحذر، مع التذكير بأنه ظني لا قطعي.
الجبن عند المعبّرين رمز للرزق الذي يأتي بعد جهد ومعالجة، وللمال المدّخر، وللتجارة والفائدة الباقية، وقد يدل فساده على كدر أو تأخر. وهذه القاعدة العامة تصلح أساسًا لقراءة الحلم. ثم تُضاف إليها خصوصية الحامل وحال حملها وما تشعر به من قلق أو فرح. فلا يُقرأ الجبن وحده دون النظر إلى صاحبته.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الجبن مال يُنال بتعب، ولم يُنقل عنه ما يخص الحامل بتفصيل، فيُلحق ذلك بعموم أحكامه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحامل إذا رأت طعامًا طيبًا دل ذلك على يسر في أمرها، وبعضهم ربط الأمر بجنس المولود بلا دليل، وهذا لا يصح الاعتماد عليه أبدًا. فجنس الجنين وصحته وموعد ولادته من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، ولا يدل عليه حلم ولا تأويل. وأما الاستئناس بالفأل الحسن فلا حرج فيه.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل؛ فالجبن الطازج الطيب الرائحة الذي تأكله الحامل براحة قد يُقرأ على أنه خير وبركة ورزق ميسّر، وهو كذلك قد يعكس حاجتها الفعلية إلى الغذاء. وإن شعرت بالنفور من رائحته في الحلم فقد يكون ذلك أثرًا لتغير الحواس في الحمل، لا إشارة إلى شر. وإن كان فاسدًا فقد يوحي بتنبيه إلى الاعتناء بنظافة الطعام وسلامته. ومن قدّم لها الجبن يؤثر في المعنى، فالزوج يدل على رعاية، والأم على سند.
وقد يكون الحلم للحامل في الأشهر الأولى مرتبطًا بالوحام والغثيان وتبدل الطعم، وفي الأشهر الأخيرة بالاستعداد للولادة والقلق من التغذية والصحة. وهذا يجعل القراءة النفسية أقرب هنا من القراءة الرمزية. ولا يحسن أن تحمّل الحامل نفسها همًّا إضافيًا بسبب منام، فالراحة النفسية من أهم ما يعين على صحة الحمل. وإن أحبت أن تتفاءل فالتفاؤل بالخير محمود.
وإن كان الحلم عن جبن يؤكل مع الأسرة فقد يدل على أنس واجتماع، وإن كان عن جبن يُشترى من السوق فقد يرتبط بتجهيزات الولادة وحاجات البيت. وإن كانت تقدّم الجبن لطفل فقد يعكس شوقها إلى أمومة وحنوّها المتزايد. وهذه كلها احتمالات لا تلزم أحدًا ولا تُبنى عليها توقعات.
ومن الدقائق أن تنظر الحامل هل كان الجبن مبستَرًا نظيفًا أم من نوع قد لا يناسب الحامل في الواقع، فبعض أنواع الجبن الطري غير المبستر يُنصح الحوامل بتجنبها طبيًا. وهنا ينبغي أن يُرجع في الأمر إلى الطبيب لا إلى الحلم، فالأحلام لا تغني عن الإرشاد الطبي. وقد يكون الحلم مناسبة للسؤال عن النظام الغذائي المناسب في هذه المرحلة، وهذا من الحكمة والأخذ بالأسباب.
ومن الجانب النفسي، تمر الحامل بتقلبات هرمونية وانفعالية تنعكس في أحلامها وتجعلها أكثر حيوية وغرابة، فلا يُستغرب أن يتكرر الطعام في منامها. وقد يعبّر الحلم عن رغبتها في الرعاية والاهتمام وعن حاجتها إلى الشعور بالأمان المادي والعاطفي. ومن المناسب أن تتحدث إلى زوجها أو أهلها عما يقلقها، وأن تأخذ حاجتها من الراحة والغذاء المتوازن.
وقد يكون من الحسن أن تُكثر الحامل من الدعاء لجنينها وبنفسها بالصحة والعافية وتيسير الولادة، وأن تحافظ على الأذكار والطمأنينة، فهذا أنفع لها من تتبع الرؤى. والأحلام قد تُسعد وقد تُقلق، لكن الأمان الحقيقي في التوكل على الله وفي متابعة الطبيب والعناية بالنفس. وبذلك تجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل.
وقد تتكرر أحلام الطعام عند الحامل في الليالي التي تسبق مواعيد الفحوص أو في أوقات الجوع الليلي، فيكون الجبن حاضرًا لأنه من أول ما يخطر على البال حين تشتهي شيئًا مالحًا أو مغذيًا. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تفسير سوى أن الجسم يطلب حاجته، وينبغي أن تُلبّى حاجته بالمقدار الصحي المناسب. ويكفي أن تتذكر الحامل أن من أعظم ما يريحها أن تأكل بانتظام وتشرب الماء وتنام بقدر كافٍ، فهذه الأسباب كلها تخفف قلق الأحلام.
وفي الختام نقول إن هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه توقع بشأن الجنين أو الولادة أو الرزق. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلتحسن الظن بربها وتكثر من الدعاء بأن يرزقها ولدًا صالحًا وعافية وتيسيرًا. ومن رأت خيرًا فلتحمد الله، ومن رأت ما تكره فلتستعذ بالله ولا تحدّث به أحدًا.
