قد يرى الإنسان في منامه جبناً كثيراً جداً، كأن يجد غرفة مليئة به أو أكواماً منه على الموائد أو في المخازن. وهذا المشهد يثير الدهشة، وقد يتكرر عند من يفكرون في أمور المعاش والادخار. ومن الواجب أن نؤكد أن التأويل رمزي احتمالي لا حرفي، فلا يُجعل وعداً بثروة ولا نبوءة بشيء محدد.
والجبن في الأحلام يُنظر إليه عند كثير من المفسرين على أنه رزق يأتي بعد جهد ومعالجة، لأنه ثمرة صنعة مأخوذة من اللبن، فيرتبط بالتجارة والكسب الثابت المحدود والطعام المدخر. فإذا كثر جداً فإن الصورة تتجه إلى معنى السعة والوفرة بعد أن كان الأصل فيه محدودية الكسب. وهذه قراءة رمزية متفائلة لكنها محتملة لا مقطوع بها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس من كتب التعبير أن الأطعمة المتخذة من اللبن تدل على مال حلال بعد مشقة، وأن كثرة الشيء المحمود في المنام قد تدل على سعة بحسب حاله، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من ذلك. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل الكثرة والقلة، فلا يصح الجزم بنسبة ولا بتفصيل.
والكثرة في الرؤيا قد تدل على السعة، لكنها قد تدل أيضاً على الانشغال بالكثير حتى ينسى الإنسان الأهم. فكثرة الجبن قد تعبر عن وفرة نسبية في الرزق، وقد تعبر عن قلق من إدارة هذه الوفرة وادخارها قبل أن تفسد. وهذا فهم رمزي متوازن يجمع بين التفاؤل والحذر.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كان الجبن نظيفاً طيباً مرتباً فذلك أقرب إلى معنى السعة المباركة. وإن كان مكدساً بغير نظام أو متغير الحال فقد يدل على فوضى في إدارة الرزق. وتؤثر كذلك هوية صاحب الجبن، فإن كان للرائي فهو أقرب إلى نصيبه، وإن كان لغيره فقد يدل على رزق ينظر إليه ولا يمتلكه.
وللرجل قد يشير الحلم إلى تحسن محتمل في دخله مع حاجته إلى حسن إدارته، وللتاجر إلى رواج وبضاعة وفيرة تحتاج إلى تصريف مدروس. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن وفرة في شؤون بيتها وقدرتها على الادخار، وللفتاة غير المتزوجة عن شعور بالأمان والسعة. وللحامل فهو غالباً صدى لتطلعها إلى استقرار لأسرتها الجديدة، فلتطمئن.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى حاله أمام هذه الكثرة، فإن كان مسروراً شاكراً فذلك أقرب إلى الخير. وإن كان حائراً أو خائفاً فقد يعبر عن مسؤولية يشعر بثقلها. وهل وزع من الجبن على غيره، فالتوزيع يدل على كرم وشكر، وهل بقي معظمه دون استعمال.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يعكس غالباً الحاجة إلى الأمان المادي والاطمئنان على المستقبل، وفيه دعوة إلى التخطيط الحكيم للادخار دون بخل ولا إسراف. كما أنه تذكير بأن الوفرة الحقيقية في القناعة وحسن التدبير. فالقلب القانع غني ولو قل ماله، والجشع فقير ولو كثر.
ومن حسن الأدب أن يشكر الإنسان الله على ما أعطاه، وأن يؤدي حق المال من الصدقة والإنفاق على من يعول. فبالشكر والبذل تدوم النعم وتبارك. وهذا من أنفع ما يخرج به المؤمن من هذا الحلم.
وليحذر الإنسان من أن يجعل الحلم سبباً للمجازفة بماله أو للإنفاق قبل أن يتحقق شيء، فالأحلام لا تُصرف ولا تُدخر. والواجب هو العمل والتدبير بعقل وتوكل. وفي ذلك السلامة والبركة.
ومما يحسن التنبه إليه أن الكثرة المفرطة في الأحلام كثيراً ما تكون من تضخيم النفس للصور، فالحلم يميل إلى المبالغة في المقادير، فيرى الإنسان الكثير جداً والقليل جداً بلا ضابط. ولذلك فلا ينبغي أن يُحمل المقدار في الحلم على ظاهره ولا يُقاس عليه المال في اليقظة. وهذه حقيقة تريح النفس من أي توقعات مبالغ فيها.
وقد تكون كثرة الجبن في الحلم تعبيراً عن شعور الرائي بالامتلاء أو الحاجة إلى الأمان الغذائي، خاصة إذا مرّ بفترة قلق على المعاش. فالنفس تصنع في المنام ما تفتقده في اليقظة، فتملأ المخازن التي تخشى أن تفرغ. وفي هذا معنى نفسي دقيق يجعل الحلم أقرب إلى تعبير عن الحاجة منه إلى بشارة محققة.
ومن الأدب أن يتذكر الإنسان أن الأموال والأرزاق في الحقيقة بيد الله، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. فلا ينبغي أن يفرح بالكثرة فرح البطر، ولا أن يحزن للقلة حزن اليأس. وبهذا التوازن يعيش المؤمن مطمئناً في الحالين شاكراً صابراً.
وفي الختام فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو تجارة أو استثمار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنتوجه إليه بالدعاء ونحسن الظن به سبحانه ونأخذ بالأسباب المشروعة، فهو الرزاق ذو القوة المتين.
