قد يرى الإنسان في منامه شخصًا عزيزًا توفي، وهو يجلس معه أو يقدّم له جبنًا أو يأكل معه أو يطلب منه طعامًا. وهذه من الرؤى التي تُحدث في النفس تأثرًا عميقًا، فتختلط فيها مشاعر الشوق والحنين والرهبة. ومن المهم أن نتناولها بأدب ولين، وأن نذكّر بأن ما يُقال فيها ظن واحتمال، وأنه لا يجوز الجزم فيها بشيء عن حال المتوفى ولا عن مصيره، فذلك علمه عند الله وحده.
وأول ما ينبغي قوله إن رؤية الأحبة الراحلين في المنام كثيرًا ما تكون انعكاسًا للشوق والذكرى وما في القلب من حب وحنين، فتتشكل صورهم في الأحلام كما كانت في الحياة. فإن كان الحلم لطيفًا فهو في الغالب أثر هذا الحنين. وليس من الصواب أن نحمّل كل ما يجري في الحلم دلالة على أحوال الآخرة، فهذا باب لا يعلمه إلا الله.
والجبن عند المعبّرين رمز للرزق الذي يأتي بعد جهد ومعالجة، وللمال المدّخر والمنفعة الباقية. أما الطعام مع المتوفى فقد ذُكر في بعض كتب التعبير على وجوه مختلفة، فقال بعضهم إنه يدل على صلة وذكرى طيبة، وقال آخرون بغير ذلك، واختلفوا اختلافًا واسعًا. وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الجبن مال يُنال بمشقة، ولم نجد نصًا يخص الجبن مع المتوفى، ولا نريد أن نتكلف قولًا فيما لا نص فيه.
ويتغير الانطباع بتغير التفاصيل؛ فإن كان الحلم هادئًا والمتوفى مبتسمًا والجبن طيبًا فقد يُستأنس به على أنه طمأنينة للقلب وصلة حب. وإن كان فيه ما يزعج كأن طلب المتوفى شيئًا أو بدا حزينًا فقد يكون ذلك انعكاسًا لما في نفس الرائي من حزن أو ندم أو رغبة في فعل شيء له. ولا يصح أن نقطع بأن الميت يطلب كذا أو يحتاج كذا، لكن يُستحب لنا أن ندعو للأموات ونتصدق عنهم، فهذا خير على كل حال.
وإن رأى الرائي أنه يأكل مع والده أو والدته المتوفى أو جده أو صديق عزيز، فقد يحمل الحلم معنى صلة الذكرى والاشتياق، ومن الحسن أن يتبعه بدعاء لهم بالرحمة والمغفرة، وأن يصل رحمهم بزيارة أقاربهم والإحسان إلى أصدقائهم. وهذا من البر الذي ينفع الأحياء والأموات، كما هو معلوم عند أهل العلم في الجملة.
وللرجل أو المرأة أو الكبير أو الصغير نفس القاعدة، فالحلم مرتبط بحال الرائي وعلاقته بالمتوفى أكثر من ارتباطه بقواعد عامة. فمن فقد حديثًا قد يرى مثل ذلك كثيرًا في فترة الحزن، وهذا طبيعي. ومن كانت له ذكريات مائدة مع المتوفى قد يستدعيها الحلم كما هي. وليس في ذلك ما يدعو إلى الخوف أو الجزم.
ومن الدقائق: هل كان الجبن مما كان يحبه المتوفى؟ فقد يكون الحلم ذكرى لوجبة جمعتهما. وهل كان الحلم في مكان مألوف كبيت قديم؟ فقد يدل على حنين إلى الماضي. وهل استيقظ الرائي باكيًا أو مطمئنًا؟ فالطمأنينة أقرب إلى الأثر الطيب، والبكاء أثر الشوق. وهذه تفاصيل نفسية أكثر منها غيبية.
ومن الناحية النفسية فإن الحزن على الفقد يمر بمراحل، وأحلام الراحلين جزء من هذا المسار، فتعين الإنسان على استيعاب الفراق ببطء. وهي قد تؤنس وقد توجع، وفي كلتا الحالتين يُنصح بالحديث مع الأهل والأصدقاء عن الذكريات وعدم كتمان الحزن. ومن اشتد حزنه وطال فلا حرج عليه أن يستعين بمختص أو بشيخ ثقة يواسيه.
ويبقى أفضل ما يُقابل به الحلم أن يدعو الرائي للمتوفى بالرحمة، ويتصدق عنه ما استطاع، ويقرأ له ما تيسر، ويذكره بالخير. وهذا مما يُرجى نفعه بإذن الله، وهو أنفع من البحث عن تأويل. وإن كان في الحلم وصية أو طلب فلا يُلزم بها شرعًا إلا إن وافقت ما أوجبه الشرع، فالأحكام لا تؤخذ من الأحلام.
وإن تكرر هذا النوع من الأحلام عند الرائي فقد يكون ذلك من علامات أنه ما زال في مرحلة حزن يحتاج فيها إلى مزيد من الدعم، ولا بأس بذلك، فالفقد جرح يحتاج إلى وقت. ومن الجميل أن يقيم الرائي لذكرى المتوفى عملًا نافعًا باسمه، كإطعام محتاج أو سقي ماء أو المساهمة في عمل خير يجري نفعه، فهذه الأعمال مما يستحسنه أهل العلم ويرجى أن يصل نفعها. ولا يلزم أن يكون العمل كبيرًا، فقليل دائم خير من كثير منقطع.
وعلى من يسمع هذا الحلم من غيره أن يكون رفيقًا في كلامه، فلا يقول له إن الميت غاضب أو متألم أو محتاج على سبيل الجزم، ولا يخوّفه بما لا علم له به. وإنما يواسيه بكلمة طيبة، ويذكّره بالدعاء والصدقة، ويدعوه إلى الاطمئنان إلى رحمة الله الواسعة. فالرحمة بالمفجوع من أخلاق الإسلام، والكلمة الطيبة صدقة، والتخفيف عن المحزون عبادة.
وفي الختام نؤكد أن التفسير اجتهاد بشري ظني، ولا يجوز أن يُبنى عليه حكم أو قرار، ولا أن يُقال به شيء عن مصير أحد، والغيب علمه عند الله وحده. فليحسن الرائي الظن بربه ورحمته، ويرجُ لأحبته ما يرجو لنفسه من الرحمة. ونسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته.
