قد يرى الإنسان في منامه جبناً مع اللحم، كأن يأكل شريحة لحم تعلوها طبقة من الجبن، أو يجد الجبن محشواً بين قطع اللحم. وهذا المشهد مألوف في موائد كثيرة، ويتكرر عند من يحبون هذه الأصناف. ومع ذلك فتأويله رمزي احتمالي لا حرفي، ولا يُجعل نبوءة بشيء محدد، فنقرؤه بهدوء وتواضع.
والجبن في الأحلام يُنظر إليه عند كثير من المفسرين على أنه رزق يأتي بعد جهد ومعالجة، لأنه ثمرة صنعة مأخوذة من اللبن، فيرتبط بالتجارة والكسب الثابت المحدود والطعام المدخر. وأما اللحم فتختلف فيه أقوال أهل التعبير باختلاف نوعه وحاله، وكثيراً ما يُقرن بالمال والقوة والنفقة. فاجتماعهما يوحي برزق جامع بين الثبات والسعة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس من كتب التعبير أن الأطعمة المتخذة من اللبن تدل على مال حلال بعد مشقة، وأن اللحم المطبوخ الطيب قد يدل على مال ونفع، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ قريبة من ذلك. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل اللحم وأنواعه اختلافاً كبيراً، فلا يصح الجزم بنسبة ولا بتفصيل.
واللحم في الأذهان طعام الاحتفاء والقوة والشبع الثقيل، فاجتماعه مع الجبن قد يُقرأ على أنه رزق أوسع من المعتاد أو مرحلة فيها سعة نسبية. ويمكن أن يعبر كذلك عن رغبة الرائي في القوة والنشاط والتعويض عن مرحلة تعب. وهذا فهم رمزي لطيف لا يخرج عن دائرة الظن.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كان اللحم طيباً مطبوخاً جيداً والجبن ذائباً لذيذاً فذلك أقرب إلى معنى الخير والسعة. وإن كان اللحم نيئاً أو فيه ما ينفر فقد يدل على جهد أكبر في تحصيل الرزق. وتؤثر كذلك نوع اللحم وكمية الجبن، فالقليل منهما أخف وقعاً من الكثير الذي قد يوحي بالإسراف.
وللرجل قد يشير الحلم إلى عمل مثمر يعود عليه بسعة، وللتاجر إلى صفقة ناجحة بإذن الله دون جزم. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن كرم في بيتها واستضافة للأهل، وللفتاة غير المتزوجة عن ميل إلى الاحتفاء والأنس. وللحامل فهو أقرب إلى شهية الحمل وحاجة الجسد إلى الغذاء، فلتستشر طبيبها في غذائها ولا تحمّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي إلى من شاركه الطعام، فإن كانوا ضيوفاً فقد يدل على كرم ورزق يأتي من الاجتماع. وهل كان الطعام ساخناً أم بارداً، وهل أكل وحده أم مع أهله، وهل شعر بالثقل بعد الأكل أم بالارتياح. فالارتياح يوحي بخير، والثقل قد يدعو إلى الاعتدال، وكلها قرائن ظنية.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم قد يعبر عن حاجة إلى التعويض والراحة بعد تعب، وفيه دعوة إلى الاعتدال في الأكل والإنفاق، فالإسراف مذموم في كل حال. كما أنه تذكير بأن النعمة الوافرة تستوجب الشكر والمشاركة مع الآخرين. والقناعة تحفظ للإنسان توازنه سواء في الشدة أو الرخاء.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يتصدق بشيء مما يستطيع، فاللحم عند كثير من الناس طعام لا يتيسر دائماً للفقراء. وهذا من شكر النعمة العملي. وإن كان ممن يتيسر له اللحم فليذكر الله عند الأكل وليحمده على نعمه.
ولا ينبغي أن يتحول الحلم إلى سبب للإسراف أو للتواكل، فالأحلام ليست وعداً بالرخاء، والرزق يُطلب بالسعي. ومن عمل ثم توكل جعل الله له بركة في قليله وكثيره. وفي هذا الفهم سلامة وتوازن.
وكثيراً ما تأتي أحلام الأطعمة الدسمة بعد عشاء متأخر أو بعد حديث عن الطعام، فإذا كان الأمر كذلك فالأرجح أنها صدى للجسد. ومن أدرك ذلك لم يشغل نفسه بتأويل بعيد. وهذا من الوعي الذي يخفف عن النفس.
وقد يتساءل بعضهم عن أثر المشاعر في هذا الحلم، فمن رأى اللحم والجبن وهو سعيد مرتاح فالأقرب أن الصورة انعكاس لرضا داخلي، ومن رآهما وهو مشمئز فقد يكون في نفسه انزعاج من أمر يثقل عليه. وهذا الفرق في الشعور أهم في الغالب من نوع الطعام نفسه. فالنفس هي التي تلوّن الصور بألوانها، وليس للطعام وحده دلالة قاطعة.
ومن الحكمة أن يقابل الإنسان هذه الصور بالاعتدال، فلا يغتر بالسعة ولا يجزع من الضيق، فالدنيا تتقلب بين يسر وعسر. ومن لزم الشكر في اليسر والصبر في العسر كان خيراً له في الحالين. وهذه من المعاني الإيمانية التي ينبغي أن يخرج بها من أحلامه.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنتوجه إليه بالدعاء ونحسن الظن به سبحانه ونأخذ بالأسباب المشروعة، فهو الرزاق الكريم.
