قد يرى النائم أن في الجبن الذي بين يديه ديداناً صغيرة تتحرك، فيشمئز منه ويتركه أو يحاول إزالتها. وهذا المشهد، وإن كان منفراً في ظاهره، فهو من الصور التي تمر في المنام بلا أثر حقيقي، وكثيراً ما يكون مصدره مشاهدة أو حديث عن طعام تالف. ومن الواجب أن نطمئن القارئ بأن تأويل الأحلام رمزي احتمالي لا حرفي، وأن هذا المشهد لا يُعد نذير شر.
والجبن في الأحلام يرتبط عند كثير من المفسرين بالرزق الذي يتحصل بعد جهد وصنعة، لأنه ينتج من اللبن بعد معالجة وانتظار، فيدل على كسب متواضع ثابت وتجارة صغيرة وطعام مدخر. وأما الديدان فقد ذكر بعض المفسرين أنها قد ترمز إلى الأولاد أو الأتباع أو إلى أمور صغيرة كثيرة العدد. فاجتماع الرمزين يحتمل معاني متعددة لا يصح الجزم بواحد منها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس من كتب التعبير أن الأطعمة المتخذة من اللبن تدل على مال حلال بعد مشقة، وذكر بعضهم أن الدود قد يدل على أمور صغيرة متكاثرة أو على ما يخرج من الشيء ويتفرع منه، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ متقاربة. وقد اختلفت أقوالهم، ولا يصح الجزم بنسبة بعينها.
ويمكن أن يُقرأ المشهد قراءة لطيفة على أن في الرزق أو العمل تفاصيل صغيرة كثيرة تحتاج إلى فرز وعناية، كما يُنقى الطعام من شوائبه قبل أكله. فلا يعني ذلك فساد الأمر كله، بل هو دعوة إلى الانتباه للتفاصيل الدقيقة في الحسابات والمعاملات. وهذا المعنى أقرب إلى النصح الهادئ منه إلى الإنذار.
ويتغير التأويل بحسب السياق، فإن كان الرائي هو من نظف الجبن من الدود وأكمل فذلك أقرب إلى معنى معالجة المشكلات الصغيرة بنجاح. وإن رمى الجبن كله فقد يدل على تخلص من أمر لا خير فيه. وكذلك فإن كثرة الدود أو قلته وحجمه ولونه تؤثر في تصور الأمر، فالقليل منه أخف وقعاً من الكثير.
وللرجل قد يشير الحلم إلى تفاصيل صغيرة في عمله ينبغي ألا يهملها، وللتاجر إلى حسابات أو مخزون يحتاج إلى جرد. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن أمور صغيرة كثيرة في البيت تستهلك جهدها، وللفتاة غير المتزوجة عن شواغل صغيرة تتزاحم في ذهنها. وهذه كلها قراءات احتمالية لا أكثر.
وأما الحامل فمن المعروف أن الحمل يزيد حساسية المرأة للروائح والمناظر، فقد تظهر في أحلامها صور منفرة لا أصل لها ولا دلالة. فلتطمئن ولا تشغل بالها بتأويل، ولتستشر طبيبها في أي شعور حقيقي بعدم الارتياح. فالراحة النفسية أولى بالعناية في هذه الفترة.
ومن الدقائق أن يُنظر هل أكل الرائي من الجبن رغم الدود أم امتنع، فالامتناع يدل على حذر وفطنة، والأكل قد يعبر عن تساهل في أمر يسير. وهل كان الجبن من بيته أم من غيره، فالأول قد يتعلق بشأن شخصي والثاني بأمر خارجي. وكذلك هل رأى الدود أول الأمر أم بعد الأكل، فكل ذلك قرائن ظنية.
ومن الناحية النفسية فهذا الحلم يعكس غالباً شعوراً بالانزعاج من أمور صغيرة متراكمة، وفيه دعوة إلى ترتيب الأولويات وتنظيف الحياة من الشوائب. فالتخطيط والتنظيم من أحسن ما يقابل به الإنسان هذه الضغوط الصغيرة. والقناعة وحسن الظن بالله يخففان من وقع كل ما يزعج.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم ألا يتوقف عنده كثيراً، فهو كغيره من الأحلام يزول أثره بمرور الوقت ما لم يغذّه القلق. وخير ما يفعله أن يذكر الله ويشرب ماءً ويباشر يومه بتفاؤل. فالتفاؤل الحسن بالله من سنن المؤمنين.
ويحسن التذكير بأن الصور المنفرة في المنام لا تعني بالضرورة أمراً سيئاً في الواقع، فكثيراً ما يرى الناس مشاهد تشمئز منها نفوسهم ثم يظهر أن لا علاقة لها بما يحدث لهم. فالنفس تخرج في الحلم ما تراكم فيها من انطباعات وصور، بعضها قديم وبعضها حديث، وتخلطها بطرائق عجيبة. وفهم هذا الأمر يخفف عن الإنسان كثيراً من القلق.
ومن اللطائف أن الناس في الأحلام قد يرون ما يكرهون ثم يقابلهم في اليقظة خير لم يتوقعوه، وقد يحدث العكس. ولذلك فإن بناء التوقعات على هذه الصور ليس من الحكمة. والأسلم أن نأخذ منها العبرة الأخلاقية والسلوكية ونترك الغيب إلى الله.
وفي الختام فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ وقد يصيب، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأولى أن يدعو العبد ربه بالخير ويحسن الظن به ويأخذ بالأسباب المشروعة، فهو سبحانه أرحم بعباده.
