رؤية الإنسان نفسه وهو يلمس السحاب في المنام من الرؤى اللافتة، لأنها تجمع بين صورة بعيدة بطبيعتها وبين إحساس بالقرب منها. وهي في الغالب رؤية ذات طابع تأملي هادئ يغلب عليها الدهشة والخفة. والرؤيا رمز وليست حدثًا واقعيًا ينتظر الرائي. لذلك لا يصح أن يتخذ منها قرارًا مصيريًا أو توقعًا قاطعًا. وما يأتي من معانٍ هو احتمالات تتفاوت في قربها من الصواب.
يرتبط السحاب في عالم الرموز بالخير المنتظر وبالتغيّر في الأحوال، وبالتأمل والغموض الهادئ. أما اللمس فهو أقرب أشكال الإدراك الحسي، وقد يدل في الرموز على الاقتراب من أمر كان بعيدًا. فاجتماع السحاب واللمس قد يُفهم على أنه قرب من أمل أو تطلع أو تأمل عميق. وقد يعبّر كذلك عن رغبة النفس في بلوغ ما يبدو عاليًا. ويتوقف المعنى على ملمس السحاب ولونه وعلى شعور الرائي أثناء اللمس.
نُسب إلى ابن سيرين أن السحاب قد يشير إلى الخير والمنفعة إذا كان صافيًا، وإلى انشغال وتبدل إذا كان كثيفًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للسحاب أوجهًا متعددة بحسب ما يقترن به في الحلم. ويختلف أهل التعبير في كثير من هذه الدلالات اختلافًا واسعًا. أما لمس السحاب على وجه التحديد فهو من الرموز الأقل شيوعًا والأقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يعتمد المفسرون فيه على القواعد العامة وعلى حال الرائي.
للسياق أثر كبير في فهم هذه الرؤيا. فإذا لمس الرائي السحاب وهو فرح ومطمئن، فقد يُفهم ذلك على أنه انعكاس لطموح هادئ أو لشعور بقرب أمل. وإذا لمسه وهو متردد أو خائف، فقد يرتبط الأمر بخوف من الاقتراب من هدف كبير أو من قرار جديد. وللمكان الذي يقف عليه الرائي أثر كذلك، فاللمس من جبل أو سطح بيت أو أرض مفتوحة يغير الدلالة المحتملة. وكل هذا ظن لا يبلغ اليقين. ويُستحسن أن يتذكر الرائي هل كان اللمس سهلًا وعفويًا أم متكلفًا، فذلك يغيّر طبيعة الإحساس المصاحب للرؤيا.
أما بحسب نوع الرائي، فالعزباء قد يرتبط اللمس عندها بتطلعاتها وآمالها في مرحلة جديدة، دون وعد بموعد أو نتيجة. والمتزوجة قد يرتبط عندها بتأمل في شؤون أسرتها وأمل في استقرار قادم. والحامل قد يعكس عندها حالة ترقب هادئة ومشاعر رقيقة تصاحب هذه الفترة، دون أن يدل على شيء يخص صحتها أو الجنين، وهي رؤيا ليست نصيحة طبية. والرجل قد يرتبط عنده بالطموح في العمل أو بالتفكير في خطوة كبيرة. وكل ذلك احتمال قابل للاختلاف.
وقد يكون الملمس نفسه جزءًا من الدلالة. فإن كان السحاب ناعمًا لينًا فقد يُفهم على أنه أقرب إلى الراحة والأمل اللطيف. وإن كان باردًا فقد يوحي بالصفاء أو بشيء من التحفظ والتأمل. وإن كان يتلاشى بين اليدين فقد يوحي بأن الأمر الذي تتطلع إليه النفس قريب لكنه يحتاج إلى تأن وصبر. ولا يعدو ذلك أن يكون اجتهادًا لا قطعًا فيه.
ومن الوجوه المحتملة أن يعبّر اللمس عن رغبة في الوصول إلى ما يبدو بعيد المنال. فالإنسان قد يحلم بالطموحات الكبيرة، وقد تتجسد في المنام في صورة يد تمتد نحو غيم عالٍ. وقد يعبّر كذلك عن فضول وحب استطلاع وشعور بالخفة والتحرر. ويُستحسن أن يسأل الرائي نفسه عما يتطلع إليه فعلًا في يقظته. فالجواب أنفع من تفسير الرمز وحده.
أما التفاصيل الدقيقة فلها أثر في القراءة. فالسحاب الأبيض قد يوحي بالصفاء والأمل، والرمادي بالتفكير والتردد، والمضيء بالانفتاح والوضوح. وإن رافق اللمس ضوء أو نسيم فقد يُفهم على أنه راحة وطمأنينة. وإن رافقه دوار أو خوف من الارتفاع فقد يكون انعكاسًا لقلق من الإقدام على أمر كبير. ومن المفيد أن يتذكر الرائي كيف انتهى المشهد.
ومن الزاوية النفسية، تعكس الأحلام ما يشغل الإنسان في يقظته من أمنيات وأفكار. وقد تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لرغبة داخلية في الاقتراب من هدف. ويفيد الرائي أن يحول طموحه إلى خطوات عملية صغيرة، وأن يستشير من يثق بخبرتهم. ومن المفيد كذلك أن يحافظ على نومه وراحته. فالرؤيا لا تغني عن السعي والتخطيط.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُتخذ دليلًا قاطعًا على شيء. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعو بأن يجعل ما رأى خيرًا وأن يوفقه إلى ما فيه صلاحه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فاللهم اجعل هذه الرؤيا بشرى طيبة وطمأنينة للقلب. ثم يمضي الرائي بعزم وتوكل وحسن ظن.
