قد يرى الحالم في منامه قهوة غزيرة كثيرة: أباريق ممتلئة، وفناجين تترى على الموائد، وبنًّا مكدسًا في الأكياس، أو قهوة تفيض من الإناء وتجري على الأرض. ومن الأحلام ما يكون الفيض فيه مبهجًا، ومنها ما يكون فيه شيء من الفوضى، فيختلف الفهم باختلاف الشعور. وهذا الحلم مألوف عند من يكثرون من الضيافة أو من يتأهبون لمناسبة قريبة. وقبل أي تأويل نذكّر بأن التعبير رمزي ظني، فلا تدل الكثرة في الحلم على كثرة مماثلة في الواقع.
القهوة في المنام ترتبط عند كثيرين بالكرم والضيافة والمجالس العامرة، وبالسهر واليقظة والاجتهاد، وبمرارة قليلة يعقبها خير. والكثرة في الأحلام تضخّم المعنى الأصلي، فكأن الحلم يقول إن الأمر الذي ترمز إليه القهوة حاضر في حياة الرائي بقوة. فقد تكون الكثرة إشارة إلى سعة في الاستقبال والعطاء، وقد تكون إشارة إلى انشغال زائد بالناس والمهام، وقد تعبّر عن وفرة في فرص الاجتماع والتواصل.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن كثرة الشراب الطيب في المنام قد تدل على سعة الرزق أو على انفتاح الأبواب، وأن فيضه قد يشير إلى زيادة في الخير، وهو قول يُنقل في عمومه على سبيل الاحتمال. ولا بد من الإقرار بأن القهوة جاءت متأخرة إلى مائدة المسلمين، فلا نص فيها عند أوائل المعبرين، وما يُقال هو قياس المتأخرين على أمثالها. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من اقتصر على معنى الكثرة الاجتماعية، ومنهم من توسع إلى الرزق، ومنهم من أمسك عن الجزم.
ويتغير المعنى بنوع الغزارة وطريقتها. فإن كانت الكثرة منظمة على موائد مرتبة وضيوف راضين، فهي أقرب إلى معنى السعة والكرم والأنس. وإن كانت الكثرة فوضوية، كالتي تفيض وتبلل المكان، فقد تعبّر عن أمور كثيرة تزاحمت وتحتاج إلى ترتيب. وإن كان الرائي هو من يصب ويقدّم، فالدلالة تميل إلى العطاء. وإن كان هو من يُقدَّم إليه حتى امتلأ، فالدلالة تميل إلى كثرة ما يتلقاه من الناس من طلبات أو عروض.
وللفتاة غير المتزوجة، قد تدل غزارة القهوة على كثرة المعارف والاهتمام من حولها، أو على أجواء احتفال قريبة، ويرجو بعضهم أن تكون إشارة طيبة على اتساع دائرة الصحبة. وللمرأة المتزوجة، قد تشير إلى بيت عامر بالزوار والضيوف أو إلى موسم مناسبات تحتاج فيه إلى تدبير ووقت. ولا يُجزم بشيء من هذا، فالأحلام لا تحدد مواعيد ولا تعد بوقوع أمر بعينه.
وللرجل، قد تعبّر الغزارة عن كثرة الاجتماعات والمواعيد أو عن توسع في دائرة العمل والعلاقات. وللتاجر، قد تُقرأ على أنها رمز لرواج أو لتوسع في النشاط، مع تنبيه بأن الرواج قد يحمل معه مسؤولية إدارة جيدة. ولكن الحلم لا يغني عن الحساب الواقعي ولا الدراسة. وللحامل، قد تعكس غزارة القهوة في الحلم استعدادًا وترقبًا لاستقبال أمر عظيم، أو تأثرًا بتغير الشهية، وكل ذلك ظني.
ومن التفاصيل المهمة: لمن كانت كل هذه القهوة؟ فإن كانت للضيوف فهي أقرب إلى الكرم، وإن كانت للرائي وحده فقد تدل على انشغاله بنفسه أكثر. وهل بقيت القهوة دافئة أم بردت من كثرتها؟ فالدفء يوحي بالأنس والحيوية والبرودة توحي بأن الكثرة لم تجد من يستثمرها. وهل شعر الرائي بالسرور أم بالإرهاق وهو يراها؟ فالشعور هو أصدق ما في الحلم وأقربه إلى نفسه.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يكون الحلم تعبيرًا عن شعور بالامتلاء، سواء كان امتلاء بالنعمة والسعة أو امتلاء بالمهام والأحاديث. وهو يدعو إلى سؤال لطيف: هل أحسن الاستفادة من هذه الكثرة؟ وهل أترك لنفسي مساحة من الهدوء بين كل هذا؟ فمن تأمل في ذلك استفاد من الحلم، حتى وإن كان تفسيره ظنيًا، فإن الاعتدال في الكرم والعمل والراحة نافع في كل حال.
ولا ينبغي أن يستعجل الإنسان في أن يرى في الغزارة بشارة قاطعة ولا نذير إسراف، فالأحلام تحتمل وجوهًا متعددة وتتأثر بما رآه الإنسان في يومه من أحاديث وولائم ومحلات. ومن الحكمة أن يشكر الله على ما بين يديه من خير، قليلًا كان أو كثيرًا، وأن يسعى في الإحسان إلى الناس بما يستطيع، فهذا خير من انتظار تأويل.
وأخيرًا فإن هذا التفسير كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أن يكون أساسًا لقرار في المال أو التجارة أو الإنفاق أو الزواج. والأفضل أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وشكر النعمة. ومعرفة ما يأتي به الغد من علم الغيب الذي اختص الله به نفسه، فلا ينبغي لأحد أن يدّعيه.
