من الأحلام التي يرويها كثيرون أن يروا أنفسهم لا يستطيعون الاستغناء عن القهوة، يمدون أيديهم إلى الفنجان تلو الفنجان، أو يبحثون عنها بلهفة، أو يشعرون بأن يومهم لا يبدأ إلا بها. ومثل هذا المنظر قد يكون صدى لعادة حقيقية في اليقظة، فيكون الحلم مجرد انعكاس لما يشغل البال ولا يحتاج إلى تأويل. وقد يأتي عند من لا يشرب القهوة أصلًا، فيكون حينئذ أقرب إلى الرمز منه إلى المحاكاة. وعلى كل حال فتعبير الرؤيا لا يُؤخذ حرفيًا، وإنما هو قراءة رمزية تبقى محتملة وغير مقطوع بها.
للقهوة في الأحلام وجوه من الدلالة: فهي رمز للضيافة والكرم وللمجالس الودودة، ورمز لليقظة والاجتهاد والصبر على العمل، ورمز لمرارة محتملة يعقبها نفع. ومن هذا الباب يمكن أن يُفهم التعلق بها في المنام على أنه تعلق بما تمثله: بصحبة معينة، أو بروتين يمنح الإنسان شعورًا بالأمان، أو بنمط عمل لا يتصور نفسه بدونه. فالفنجان في الحلم ليس دائمًا فنجانًا، بل قد يكون عنوانًا لشيء أوسع يتعلق به القلب.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن التعلق الشديد بالشراب في المنام قد يدل على ميل النفس إلى لذة مألوفة أو إلى حرص على أمر بعينه. ولكن ينبغي الصراحة في أن القهوة نفسها لم تكن معروفة في زمن أوائل المعبرين، فلا تجد لها باب مخصوصًا في كتبهم المبكرة. وما يُقال عنها فهو في الغالب من اجتهاد المتأخرين وقياسهم على الأشربة والمجالس وما شابهها. وقد اختلف المفسرون في هذا الباب اختلافًا واسعًا، فمنهم من ركّز على معنى اللذة، ومنهم من ركّز على معنى اليقظة، ومنهم من رأى فيها رمزًا اجتماعيًا خالصًا.
وللسياق أثر كبير في تحديد المعنى. فإن كان الرائي يشرب القهوة في الحلم بسرور وطمأنينة، فالأقرب أنه يعبّر عن ارتياح لما اعتاده وألفه. وإن كان يشربها وهو متعب أو قلق أو مجهد، فقد يعبّر الحلم عن ضغط في يقظته يحاول مواجهته بكل ما أوتي. وإن كان يجري وراءها ولا يجدها، فقد يشير ذلك إلى شعور بنقص شيء يمنحه الدفء والأنس. وكمية القهوة وحرارتها وعدد الفناجين تضيف تفصيلات صغيرة للمعنى.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يُقرأ الحلم على أنه تعلق بصديقة أو بمجلس أو بفكرة تشغل قلبها، وتوق إلى من يؤنس وحدتها. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى تعلقها ببيتها ومجالس أهلها أو إلى كثرة ما تحمله من ضيافة وواجبات. وللرجل، قد يعبّر عن ارتباطه بعمله وكثرة سهره، أو بأصدقاء يجتمع معهم. وللتاجر، قد يدل على تعلقه بمصدر رزق أو بعلاقة تجارية يرى أنه لا يستغني عنها. وهذه كلها قراءات عامة لا تنطبق على كل حالة.
ومن التفاصيل المهمة: هل كان الشارب راضيًا أم منزعجًا من حاجته إلى القهوة؟ وهل كان يشربها وحده أم بين الناس؟ فالشرب مع الناس يميل إلى معنى الأنس والمودة، والشرب وحده قد يميل إلى معنى الاعتياد والانشغال بالنفس. وإذا رأى الرائي أن أحدًا يحاول منعه فلا يستجيب، فقد يكون ذلك تعبيرًا عن عناد في أمر ما، أو عن رغبة في أن تُترك له حريته. وهذه تفاصيل تحتمل أكثر من وجه.
وفي الجانب النفسي، قد يكون هذا الحلم دعوة هادئة للتأمل في ما يتعلق به القلب من عادات وأشخاص ومجالس، وهل هو تعلق متوازن أم يحتاج إلى شيء من الاعتدال؟ وليس في الحلم ما يدل على حالة صحية أو على إدمان بالمعنى الطبي، فهو لا يشخص شيئًا. ومن كان يعاني فعلًا من صعوبة في ضبط عادة ما، أو من خفقان أو أرق أو قلق، فالواجب أن يعرض أمره على طبيب مختص وألا يبني حكمه على منام.
ويمكن للإنسان أن يستفيد من الحلم بأن يتذكر قيمة التوازن، فلا إفراط ولا تفريط، وأن في الجمع بين العمل والراحة وبين الأنس والخلوة خيرًا كثيرًا. ولا بأس بأن يتحدث الرائي مع أهله أو أصدقائه عما شعر به، فالحديث يخفف أكثر مما يفعله التأويل. وحين تتحول الأحلام إلى مصدر قلق، فالأفضل تركها وعدم الاسترسال في تتبع تفسيراتها.
وإذا أردنا النظر في الجانب الاجتماعي، فإن القهوة في ثقافتنا تقترن بالمجالس التي يتلاقى فيها القلوب قبل الأيدي، ولذلك فإن التعلق بها في الحلم قد يكون في حقيقته تعلقًا بمن نشرب معهم. وقد يستيقظ الرائي ويتذكر وجهًا بعينه كان حاضرًا، فيكون في ذلك مفتاح لفهم ما يحنّ إليه. وقد يكون الحلم أيضًا تنبيهًا لطيفًا إلى أن الإنسان يحتاج إلى من يؤنسه كما يحتاج إلى ما ينعشه، وأن في صلة الأرحام والأصدقاء غنى عن كثير مما نظنه ضروريًا.
ومرة أخرى فإن ما سبق كله اجتهاد بشري ظني، قد يوافق الواقع وقد يخالفه، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار مصيري في الصحة أو المال أو الزواج أو العمل. والمؤمن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بربه، ويسأل الله الخير والعافية. وما كان من أمر الغد فعلمه عند الله وحده، وهو أرحم بعباده من أن يجعل منامًا عابرًا ميزانًا لحياتهم.
