من الأحلام التي قد تمر على الإنسان أن يرى القهوة التي أمامه ليست قهوة خالصة، بل مخلوطة بشيء آخر كالحبوب أو الدقيق أو مادة غريبة، أو أن طعمها ليس كما يعرفه فيحس بأنها مغشوشة. وهذا الحلم يتكرر عند من تعرضوا في يقظتهم لموقف شراء أو سمعوا عن غش في بضاعة، وقد لا يكون له علاقة بأي أمر آخر. وعلى كل حال فالنظرة إليه ينبغي أن تكون رمزية هادئة لا حرفية، فلا يُفهم منه أن أحدًا سيخدع الرائي، ولا أن ضررًا ينتظره.
القهوة في عالم الرؤى ترتبط بالضيافة والكرم وبالمجالس الطيبة، وبالجد والسهر والاجتهاد، وبمرارة يتحملها المرء ابتغاء نفع. وصفة الغش تضيف معنى الاختلاط، أي أن الصافي امتزج بغيره. ومن هنا يمكن أن يرمز الحلم إلى أمر ظاهره جميل وفي باطنه خلط، أو إلى وعد حلو لم تتضح حقيقته بعد، أو إلى حديث يجمع الصدق بما ليس منه. ويبقى هذا مجرد تأمل في الرمز لا حكمًا على أحد بعينه.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الخلط في الأشياء الصافية في المنام قد يدل على اختلاط الحلال بغيره أو التباس الأمور، وهو قول يُورد على سبيل الاحتمال العام. ولا بد من الصراحة بأن القهوة لم تكن معروفة في العصور الأولى لتعبير الرؤيا، فلا يرد لها باب صريح في كتبهم القديمة، وكل ما يُنقل هو قياس من المتأخرين على نظائرها. وقد اختلفت المذاهب في هذه الدلالات اختلافًا كبيرًا، فلا ينبغي الجزم بأحدها.
ويتغير المعنى بتغير الطريقة التي ظهر بها الغش. فإن اكتشفه الرائي بنفسه وتخلص منه، فهذا يميل إلى معنى فطنة ويقظة وقدرة على التمييز. وإن شربها وهو لا يدري، فقد يعبّر الحلم عن تردد بين أمرين لم يتبين الفرق بينهما. وإن كان صاحب المحل أو المضيف هو من قدمها، فلا يُفهم من ذلك اتهام له، لأن الرموز في الأحلام لا تمثل الأشخاص الحقيقيين بالضرورة. ويكفي أن يتذكر الرائي أن الحلم ليس دليل إدانة لأحد.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يشير الحلم إلى رغبتها في أن تكون الأمور صريحة وواضحة، وإلى حاجتها لأن تتأكد من نوايا من حولها قبل أن تثق ثقة تامة، وهذا حق مشروع في اليقظة بالسؤال والتروي لا بالظن. وللمرأة المتزوجة، قد يعبّر عن مواقف صغيرة في البيت يختلط فيها الجد بالمزاح أو القول بالفعل، فتتمنى مزيدًا من الصفاء. وهذه قراءات عامة تحتمل أوجهًا أخرى.
وللرجل، قد يدل على معاملة مالية أو مهنية يتمنى أن تكون واضحة المعالم قبل الدخول فيها، فيكون الحلم تذكيرًا بالتثبت والكتابة والاستشارة. وللتاجر، قد يكون تذكيرًا لطيفًا بأهمية الصدق في البيع والشراء وبأن البركة تتبع النقاء، وهذا معنى يوافق ما يعرفه الناس من خلق التجارة. وللحامل، قد يكون الحلم أثرًا لحرصها الزائد على سلامة غذائها، وهو حرص طبيعي لا يحتاج لتأويل.
ومن التفاصيل المفيدة: ما نوع الشيء المخلوط؟ فإن كان شيئًا مألوفًا بسيطًا فالأمر هين، وإن كان غريبًا فقد يعبّر عن حيرة من أمر لا يُفهم. وكم كانت نسبة الخلط؟ فالقليل يميل إلى تفاصيل صغيرة تحتاج إلى انتباه، والكثير يميل إلى أمر عام يحتاج إلى مراجعة أوسع. وهل ظهر الغش في الشكل أم في الطعم أم في الرائحة؟ فكل حاسة تلمّح إلى جانب مختلف من الأمر، ولكن هذه كلها ظنون لا تثبت.
وفي الجانب النفسي، يعكس هذا الحلم أحيانًا رغبة إنسانية في الأصالة والبساطة، وفي أن نجد من يعاملنا بإخلاص. وهو دعوة للمرء إلى أن يراجع صدقه هو أيضًا مع نفسه ومع الناس، فالنقاء يبدأ من الداخل. ويمكن أن يكون دافعًا إلى اختيار الأشياء الجيدة، وإلى قراءة ما نوقّع عليه، وإلى مصارحة من نحب بما يزعجنا بلطف، لا أن نبني على الحلم شكوكًا في أحد.
ومن المهم ألا يتحول هذا الحلم إلى سوء ظن بالناس أو بالتجار أو بالأقارب، فالأحلام لا تدل على نوايا الآخرين ولا تكشف خفاياهم. والأصل في المسلم حسن الظن ما لم يتبين خلافه بدليل واقعي لا بمنام. فإن وقع في يقظته ما يستدعي الحذر، فالتصرف يكون بالتحقق والتروي والاستشارة، لا بما رآه ليلًا.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون مرجعًا في قرار حقيقي يتصل بالمال أو العلاقات أو العمل. والأولى أن يقابل المرء رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وبعباده. وعلم الغيب عند الله وحده، فلا يطلع عليه حالم ولا مفسر، وفي هذا طمأنينة لمن توكل عليه.
