تظهر القهوة بعد الغداء في منام كثير من الناس لأنها عادة راسخة في بيوتهم تختم الوجبة وتفتح باب الحديث الودي. وحين يراها النائم على هذا النحو فإنما يستعيد في خياله صورة مألوفة من الاجتماع والراحة. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا ينبغي أن نحمّل الحلم أكثر من طاقته. ومن اللطيف أن نقرأه على أنه إشارة عامة تتصل بالتمام والاستقرار وبمعنى الاستراحة بعد الجهد. فلنمض في تأمل معانيه بروح هادئة.
الغداء في الرموز يدل على التمام والشبع وإنجاز جزء من اليوم، والقهوة بعده ترمز إلى الختام الطيب والضيافة التي تكمل الكرم. وهي دلالة على الجلوس بعد الفراغ من الجهد لتبادل الحديث ومراجعة ما كان. وفيها كذلك معنى الاستعداد لما بقي من اليوم، إذ يطلب الناس بها نشاطًا يعينهم على مواصلة العمل. وفي مرارتها دلالة على أن بعد النعمة قد يأتي من الأمور ما يحتاج إلى يقظة وصبر. فالحلم يجمع بين الراحة والتأهب.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الطعام والأشربة وفي المآدب، ولا يصح القول إنهم فسّروا القهوة بنصوص صريحة. فقد شاع شرب القهوة في قرون لاحقة، ولذلك سكتت عنها أقدم كتب التعبير في الغالب، وما يُذكر اليوم قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن الطعام الطيب يدل على سعة رزق ورضا، وإن القهوة بعده تدل على إكرام وختام حسن. واختلف المفسرون في الجزئيات، فلا نقطع بشيء ولا نعطي لقول واحد صفة اليقين.
يتغير المعنى بحسب التفاصيل، فإن كانت القهوة ساخنة طيبة المذاق بعد وجبة شهية فالمعنى أقرب إلى الرضا والتمام. وإن كانت الوجبة ناقصة أو غير مستساغة والقهوة مرة فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بنقص أو انتظار لشيء لم يكتمل. وإن كان المجلس مليئًا بالأحباب فذلك يدل على صلة وألفة، وإن كان وحيدًا فقد يدل على حاجة إلى هدوء وتأمل. وللكمية أثر، فالقدح اليسير يوحي بالاعتدال والبركة.
وللرجل الذي يرى هذا المشهد قد يكون معنى ذلك أنه يحتاج إلى فسحة بعد عمل متواصل، وأن النفس تتوق إلى لحظة تنفس. وللتاجر قد تشير إلى مرحلة مراجعة بعد صفقة أو عمل، يحسن فيها أن يقدّر ما أنجزه قبل أن يتجه إلى خطوة تالية. وللمرأة المتزوجة قد تدل على رضاها عن بيتها وعنايتها بضيوفها وأسرتها. وللحامل قد تكون رمزًا إلى حاجتها إلى الراحة بعد الأكل وإلى رعاية صحتها.
ومن الفروق الدقيقة أن تُقدَّم القهوة مع مطبوخات معينة أو في أواني فاخرة أو بسيطة، فالإناء الأنيق يدل على رقي في الضيافة، والبسيط يدل على بساطة وصفاء. وقد يكون في الحلم خادم يقدمها أو أحد من الأهل، وهذا يوحي بمن يعتني بالرائي. وإن شعر الرائي بالنعاس بعد شربها فقد يُقرأ ذلك على أنه توتر بين الرغبة في الراحة وضرورة الاستمرار في العمل. وكل ذلك تخمين رمزي لا يتعدى حد التأمل.
ومن الناحية النفسية فإن الحلم قد يعبر عن حاجة الإنسان إلى فاصل هادئ بين مهام يومه، وإلى ألا يستسلم لوتيرة السرعة التي تستهلك طاقته. فالوقفة القصيرة بعد الأكل وأخذ نفَس عميق وشرب شيء دافئ من العادات الطيبة التي تحسن المزاج. وينفع صاحب الرؤيا أن يوازن بين الراحة والعمل وألا يفرط في المنبهات، فالاعتدال في كل شيء أصلح للجسد والروح.
وقد يحسن به أيضًا أن يتخذ من الحلم تذكيرًا بشكر النعمة، فالطعام والمجلس والأنس من نعم الله التي لا يلتفت إليها كثيرون. وأن يتذكر من لا يجدون مائدة هنية، فيمد يد العون على قدر استطاعته. فالكرم والشكر يزيدان البركة ويطيبان النفس. وهذه المعاني العملية أنفع من الغرق في التأويل.
ومما يزيد المعنى وضوحًا أن ينظر الرائي إلى حال المجلس بعد القهوة، فإن انتهى بحديث طيب وضحك خفيف فذلك يرجّح معنى الأنس والرضا، وإن انتهى بصمت ثقيل فقد يرمز إلى أمر لم يُقل بعد. وقد يكون في الحلم من يمدح الطعام أو يشكر المضيف، وهذا يُقرأ على أنه تقدير لجهد صاحب البيت. وقد يرى النائم نفسه يغسل الفناجين بعد الانتهاء، فيكون ذلك إشارة رمزية إلى إتمام الأعمال وترتيب ما بقي منها. وكل هذه الصور يؤخذ منها الاستئناس لا الحكم القاطع.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في أمور المال أو العمل أو العلاقات. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وشكر نعمه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما سواه ظنون واجتهادات. نسأل الله أن يديم علينا نعمه وأن يرزقنا القناعة والرضا.
