قد يرى الحالم في منامه أن القهوة التي بين يديه مباركة: قليلها يكفي القوم جميعًا، أو أن الإبريق الصغير يسقي مجلسًا كاملًا، أو أنه يشعر بنور وسكينة وهو يشربها، أو يرى في القهوة من الخير ما يفوق مظهرها. وهذه صورة طيبة تترك الإحساس بالراحة والامتنان. وهي قريبة من معنى يعرفه الناس في حياتهم حين يقولون إن فلانًا في ماله بركة أو في وقته بركة. والقراءة الرمزية فيها ظنية، لا تُقطع ولا يُبنى عليها حكم على الواقع.
القهوة ترمز عند كثيرين إلى الضيافة والكرم، واليقظة والاجتهاد، والمجالس والمودة، والمرارة المحتملة. وأما البركة فهي معنى زائد على الكم، فهي النفع الذي يحل في القليل فيكفي ويزيد، وهي الطمأنينة التي تصاحب النعمة، والتيسير الذي يفتح الأمور. فإذا اجتمعت القهوة والبركة في الحلم، فكأنها تعبّر عن أن ما في يد الرائي من نعمة قليلة المظهر كثيرة الأثر. وقد تعبّر عن رضا بما عنده، أو عن أمل في أن يبارك الله له في وقته ورزقه.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الطعام القليل الذي يكفي الكثيرين في المنام قد يدل على بركة في الرزق وسعة بعد ضيق، وأن النور في المأكول قد يدل على حلال طيب عند بعضهم، وهي معانٍ عامة تُنقل بعمومها على سبيل الاحتمال، دون ربطها بحادثة بعينها. ولا بد من الإفصاح بأن القهوة لم تظهر في زمن أوائل المعبرين، فلا ذكر لها عندهم، وإنما هي قراءات المتأخرين على القياس. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا يُحمل قول على اليقين.
ويتغير المعنى بتغير الحال الذي ظهرت فيه البركة. فإن كانت القهوة قليلة وكفت الجميع، فالأقرب أن يعبّر ذلك عن بركة في القليل وعن قناعة. وإن كانت كثيرة وطيبة، فهي أقرب إلى سعة ونعمة. وإن كان معها نور أو سكينة، فهو أقرب إلى معنى الطمأنينة الروحية. وإن شاركها الرائي مع فقير أو محتاج، فالدلالة على بركة العطاء. وإن كان وحده، فالدلالة على رضا شخصي وامتنان.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى بركة في وقتها ودراستها وعملها، وإلى رضاها بما قسم الله لها، وإلى أمل في خير قريب، دون تحديد شيء بعينه. وللمرأة المتزوجة، قد يشير إلى بركة في بيتها ومعيشتها، وإلى قدرتها على تدبير القليل بحكمة، أو إلى سعة صدر في التعامل مع أسرتها. وللحامل، قد يعبّر عن ارتياحها وطمأنينتها وأملها في سلامة الأمور، وفي ذلك سكينة جميلة.
وللرجل، قد يدل على بركة في الرزق والعمل والوقت، وعلى كفاية في ما بين يديه، أو على أن جهده القليل يؤتي ثمارًا طيبة. وللتاجر، قد يرتبط بربح مبارك في تجارة صادقة، وبأن الصدق والأمانة سبب البركة كما تعارف الناس، ولكن لا يغني الحلم عن الحساب والتدبير. وكل ذلك يبقى من باب التفاؤل المحمود لا من باب الجزم، فالبركة تُطلب بالدعاء والعمل الصالح.
ومن التفاصيل التي تُصقل بها القراءة: هل شعر الرائي بالشبع والارتواء مع قلة ما شرب؟ فذلك أقرب صور البركة. وهل رأى في الإناء نورًا أو ندى أو وفرة غير متوقعة؟ فذلك من علامات الخيال الجميل. وهل كان في المجلس من يدعو أو يذكر الله؟ فالذكر في الأحلام كثيرًا ما يرتبط بالطمأنينة. وهل تكرر الصب دون نفاد؟ فهو أقرب إلى معنى العطاء المتجدد. وتبقى كلها تأويلات ظنية.
وفي الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الشعور بالكفاية، وعن رغبة في أن يطمئن القلب إلى ما عنده، فيرى القليل كثيرًا بنظرة الشكر. وهو دعوة إلى الامتنان: أن ننظر إلى ما في أيدينا من نعم صغيرة فنحمد الله عليها، فالشكر من أعظم أسباب البركة كما تدل تجارب الناس. ويمكن للرائي أن يترجم ذلك بعادة بسيطة، كأن يذكر ثلاث نعم قبل نومه، أو أن يشارك غيره بعض ما عنده.
ومن الحكمة أن نفرق بين البركة والاستعجال في طلب الرزق، فالبركة لا تُستجلب بمنام ولا بحيلة، وإنما بالسعي الشريف وحسن التوكل. ومن علّق آماله على مجرد حلم قد يغفل عن العمل الذي هو سبيل الخير. ولذلك فخير ما نأخذ من الصورة هو معنى القناعة والشكر، والسعي المخلص، والإحسان إلى الناس.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في المال أو التجارة أو الإنفاق أو غيرها. والأحسن أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأله البركة في الوقت والرزق. وعلم ما سيكون غدًا هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده.
