كثيراً ما يرى الناس في منامهم أنهم يشربون القهوة ثم يشعرون بقلوبهم تخفق بسرعة، أو يسمعون دقات قلوبهم في الحلم كأنها طبول بعيدة. وهذا المشهد من الأحلام الشائعة في زمن صارت القهوة فيه جزءاً من الصباح والمساء. ولا بد من التذكير بأن تأويل الأحلام رمزي لا حرفي، فليس في رؤية خفقان القلب في المنام إخبار عن حال القلب في اليقظة، وإنما هي صور تُفسَّر على المعاني والمشاعر. ولذلك لا يصح أن يقلق الحالم لمجرد أنه رأى ذلك، ولا أن يطمئن لمجرد حلم سار.
وفي رموز القهوة العامة معانٍ متعددة، فهي علامة الضيافة والكرم، ورمز السهر واليقظة والجد في العمل، وهي مرتبطة بمجالس الأنس وتبادل الأخبار، وبمرارة يعقبها انتعاش. وحين يقترن بها خفقان القلب فإن أقرب ما يُتصور أنه تعبير عن انفعال شديد، سواء كان فرحاً أو ترقباً أو شوقاً أو خشية من أمر قادم. فكأن الحلم يقول إن في حياة الحالم موضوعاً يحرك مشاعره ويجعله متيقظ الحس، وإن الخفقان هنا لغة عاطفية لا لغة جسدية.
وعلينا أن نذكر بصراحة أن القهوة لم تشتهر عند الناس إلا في قرون متأخرة، فلا تجد لها ذكراً مفصلاً في كتب التعبير الأولى، وما يُقال في دلالتها أكثره استنباط وقياس عند المتأخرين. ونُسب إلى ابن سيرين في باب القلب عموماً أنه محل الإيمان والنية والمشاعر، وذهب بعض المفسرين إلى أن اضطراب القلب في المنام قد يدل على خوف أو شوق أو انتظار. وقد نُقل عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه ما يشبه هذا في الأمور المنبهة للنفس. وهذه كلها أقوال متفاوتة في ثبوتها ودلالتها، وقد اختلف أهل التعبير في تقديرها.
ويختلف المعنى بحسب تفاصيل الحلم. فإن كان الخفقان مصحوباً بالسرور والتفاؤل، مال المعنى إلى انتظار خبر طيب أو لقاء محبوب أو إنجاز يسر القلب. وإن كان مصحوباً بخوف وضيق، مال إلى خشية من أمر مرتقب أو مواجهة يؤجلها الحالم. وإن كانت القهوة حارة شديدة المرارة، فقد يرجّح بعضهم أن في الأمر مشقة، وإن كانت لطيفة الطعم دافئة فالمعنى أخف. ومن قدّمها لك يؤثر في التفسير، فالقريب المحب غير الغريب المجهول.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُحمل الحلم على مشاعر الحب والتعلق أو انتظار خطبة أو قرار مصيري، وقد يكون صدى لتفكيرها في شخص بعينه. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى اهتمامها بأمر يتعلق بزوجها أو أولادها، أو شوق لموقف دافئ يعيد المودة. وللحامل يُحمل غالباً على حالة الترقب والقلق الطبيعي من الولادة والمستقبل، ولا يُبنى عليه حكم. وللرجل قد يدل على انشغاله بصفقة أو مسؤولية أو موعد مهم يشغل قلبه.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم عدد الفناجين، وسرعة الخفقان في الحلم، وهل زال بعد أن شربت الماء أو جلست، وهل كان معك أحد يطمئنك. فإن زال الخفقان في الحلم وهدأ القلب، حُمل ذلك على زوال القلق وحلول الطمأنينة بعد انتظار. وإن زاد واستمر، حُمل على بقاء الانشغال حتى يتم الأمر. وإن كان المكان مجلساً آمناً مع الأهل فهو أخف من مكان موحش، ولكل ذلك دلالة رمزية فقط.
وفي النظرة النفسية المعتدلة قد يعكس هذا الحلم ما يعيشه الإنسان في نهاره من توتر أو حماس أو ترقب، فالعقل الباطن يعيد ترتيب المشاعر بصور مألوفة، والقهوة صورة مألوفة جداً. ويجب أن يُقال هنا بلطف إن الحلم لا يدل على حال القلب الجسدية، وإن شعر أحد في يقظته بخفقان مزعج أو ألم أو ضيق في الصدر فالواجب أن يراجع الطبيب دون تأخير، لا أن يقرأ حلماً ليعرف حاله. وكثير من الناس يهدأ بالهم بتنفس عميق وبذكر الله وبتقليل المنبهات.
ويمكن أن تُفهم الرؤيا على أنها دعوة إلى الانتباه لمشاعرنا والإصغاء لها دون أن نتركها تقودنا. فالخفقان في أصله علامة حياة وحس، وما يهم هو أن نوجه الانفعال إلى ما ينفع، كأن نصلح علاقة أو نستعد لامتحان أو نتوكل في أمر مهم بعد أن نأخذ بالأسباب. وإذا استيقظت من هذا الحلم وفي نفسك تردد، فاكتب ما يشغلك واعرضه على من تثق به من أهل الخبرة والنصح، فذلك أنفع من التخمين.
وفي الختام فإن ما سبق كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، قد يوافق الواقع وقد يخالفه، ولا يصلح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في الحياة. والغيب علمه عند الله وحده، فلنقابل ما نراه بالدعاء، وبحسن الظن بالله، وبالأخذ بالأسباب المشروعة في كل أمر.
