يُعدّ حلم القهوة المقترنة بالأرق من الأحلام التي يراها كثيرون في أيام الانشغال والضغط، إذ يرى النائم نفسه يشرب القهوة وهو يتقلب في فراشه ولا يأتيه النوم، أو يرى فنجانه إلى جواره في ليل طويل لا ينتهي. وهو حلم متكرر في زماننا لأن القهوة صارت رفيقة السهر والعمل عند الناس. والمهم أن يُفهم من البداية أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، فليس معنى أن ترى أرقاً في المنام أنك ستعاني الأرق في اليقظة، ولا أن القهوة هي سببه. إنما هي صور يستعين بها المفسرون للإشارة إلى معانٍ نفسية وحياتية عامة، وسنعرض فيما يلي أشهر ما قيل فيها مع التنبيه إلى أن أكثره اجتهاد.
والقهوة في عالم الرموز ترتبط بالضيافة والكرم، وبالسهر واليقظة، وبمجالس الناس وأحاديثهم، وبالمرارة التي يعقبها نفع ونشاط. وحين تجتمع القهوة مع الأرق يغلب أن تتجه المعاني إلى اليقظة الطويلة والانتظار وانشغال البال، فكأن الحالم يحمل أمراً يفكر فيه ولا يريد تركه، أو مهمة لم تكتمل بعد، أو موعداً يترقبه بقلب متيقظ. وقد يكون الأرق في الحلم صورة للحرص على إتمام عمل ما، لا ضيقاً بالضرورة، فبعض السهر محمود إذا كان في طلب رزق أو علم أو خدمة لأهل البيت.
وللأمانة العلمية ينبغي أن يُقال إن القهوة لم تنتشر بين الناس إلا في قرون متأخرة، ولذلك لا تكاد كتب التعبير القديمة تذكرها باسمها، وما يُنقل في هذا الباب أكثره قياس على أشباهها وتخريج من المتأخرين. ونُسب إلى ابن سيرين في السهر عموماً أنه يدل على اهتمام بالأمر وطلب له، ويُذكر عن النابلسي في بعض ما نُقل عنه أن الشراب المرّ قد يشير إلى مشقة يعقبها نفع. ولا نجزم بنسبة ذلك نصاً إلى القهوة نفسها، وقد اختلف المفسرون في قراءة هذه الرموز اختلافاً ظاهراً، فمنهم من ضيّق ومنهم من وسّع.
ويتغير المعنى بتغير السياق الذي جاء فيه الحلم. فإن كان الحالم يشرب القهوة ليبقى مستيقظاً لإنجاز عمل نافع، مال المعنى إلى الجد والاجتهاد وتحمل التعب. وإن كان قلقاً متضايقاً من عجزه عن النوم، مال إلى انشغال البال بأمر يشغله في يقظته. وإن كانت القهوة دافئة طيبة الرائحة والليل هادئ، فالأمر أخف وأقرب إلى الراحة، وإن كانت شديدة المرارة والجو متوتراً فهو أقرب إلى الهم والتفكير الثقيل. وللمكان والمناسبة أثر كذلك، فالسهر مع الأهل والأصحاب غير السهر وحيداً في غرفة صامتة.
وللرجل قد يشير هذا الحلم إلى انشغاله بالعمل والمسؤوليات وكثرة تفكيره في أمر الرزق، وربما إلى مشروع يسهر عليه ويتمنى له النجاح. وللتاجر قد يدل على متابعة دقيقة للحسابات وانتظار صفقة أو موسم، ويُستحسن أن ينظم وقته حتى لا يتعب بدنه ولا يغفل عن أهله. ويحمله بعض المفسرين على أنه تنبيه لطيف إلى التوازن بين السعي والراحة، لا حكماً على المستقبل ولا إخباراً عنه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم صورة لانتظار أمر تتمناه، كدراسة أو عمل أو نصيب طيب، فالسهر هنا رمز للترقب والأمل. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن اهتمامها بأسرتها وسهرها على راحة أبنائها، وقد يعني أن في بيتها أمراً تفكر فيه كثيراً وتتمنى أن يستقر. وللحامل يحمل الحلم في الغالب انعكاساً لحالة الترقب وقلة الراحة التي ترافق أيام الحمل، ويُرجى أن يكون ما بعدها خيراً وطمأنينة بإذن الله.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تغير التفسير عدد الأكواب، فالكثرة تميل إلى ثقل الانشغال والقلة إلى خفته. ومنها الساعة التي رأيت فيها السهر، فمنتصف الليل غير وقت الفجر، وكلما اقترب الحلم من الفجر كان أدعى إلى التفاؤل بقرب الانفراج. ومنها من كان معك، فوجود رفيق يدل على مشاركة وعون ومؤانسة. ومنها هل انتهى الحلم بنوم أم باستمرار اليقظة، فالنوم في آخره يُحمل على انفراج الأمر وزوال الهم. ومنها هل كان الفنجان ممتلئاً أم فارغاً، فالفارغ قد يشير إلى انقضاء مرحلة، والممتلئ إلى بقاء الأمر قائماً.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يكون الحلم انعكاساً لما يدور في ذهن الحالم نهاراً من قلق وانشغال، فالأحلام كثيراً ما تستعير مشاهد الحياة اليومية. وينبغي التنبيه برفق إلى أن الحلم لا يقول شيئاً عن صحة أحد، وأن من يعاني أرقاً حقيقياً في يقظته أو يتعبه ذلك فالأولى أن يعرض أمره على طبيب مختص، لا أن يبحث عن جوابه في تأويل منام. ومما يعين على الطمأنينة تنظيم الوقت، والتخفيف من المنبهات في آخر النهار، وإعطاء الجسد حقه من الراحة، وذكر الله قبل النوم، وترك الهموم لصباح جديد.
وفي الجانب المعنوي يمكن أن يُقرأ الحلم دعوة إلى الصبر والتأني، فاليقظة الطويلة في الرؤيا تذكّر بأن لكل أمر وقتاً، وأن الانتظار لا يعني الضياع. وكثير من الناس يجدون في هدوء الليل وفنجان دافئ فرصة للتفكر وترتيب الأولويات، فإن كان الحلم قد حمل إليك هذا المعنى فهو خير وإن لم يكن له تأويل غيره. وما أجمل أن يتحول القلق إلى دعاء، والسهر إلى عمل صالح، والفنجان إلى لحظة سكينة.
وأخيراً فإن كل ما مضى اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس مستنداً يُبنى عليه قرار في زواج أو مال أو سفر أو علاقة. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يمضي في شؤونه بالأسباب المشروعة مع التوكل عليه.
