رؤية ضيافة القهوة العربية في المنام صورة تحمل عبق التقاليد، فيرى الحالم مجلساً عربياً بسيطاً أو فخماً، وصاحب الدار يحمل الدلة ويدور على الحاضرين، والضيوف يهزّون الفنجان إشارة إلى الاكتفاء. وقد يرى تفاصيل دقيقة من آداب المجلس كالبدء بالأكبر أو بمن على اليمين. وهي رؤيا تأتي غالباً لمن نشأ على هذه العادات أو يحب التراث. ونذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه ظنّي يخطئ ويصيب.
الضيافة العربية في الرمز العام منظومة قيم متكاملة، فهي كرم وترحيب وتقدير للكبير وحفظ لحق الضيف، وهي كذلك لغة غير منطوقة تُعبَّر بالفنجان والدلة. وإذا ظهرت في المنام فقد تدل على أصالة الحالم وتمسكه بقيم قومه، أو على مجلس كريم ينتظره، أو على حاجة إلى إحياء صلة بالأهل والعشيرة. وفيها معنى الاحترام المتبادل وآداب الحديث وانضباط الجلسة. فمعناها الأصالة والوقار والكرم، وفيها دعوة إلى حفظ حق الناس.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الضيافة عموماً أن إكرام الضيف يدل على سعة في الصدر وبركة في الرزق، وأن المجلس العامر بالصالحين يدل على خير وذكر طيب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاجتماع على الطعام والشراب في ودّ يدل على ألفة ورزق. وأوضح أن القهوة لم تكن مألوفة في الأزمنة الأولى لتدوين كتب التعبير، فلا نص على ضيافتها العربية بعينها، وإنما يُقاس على الضيافة عامة، وقد اختلف المتأخرون في وجه القياس. فنقول إنه اجتهاد لا يرقى إلى القطع.
ويتغير المعنى بتغير أجواء المجلس. فإن كان المجلس هادئاً دافئاً والحاضرون مبتسمين فالأقرب أنه علامة ألفة وحسن سمعة، وإن كان فيه توتر أو خلاف فقد ينبّه إلى حاجة إلى الصلح قبل الضيافة. وإن كان مجلس عزاء فهو واجب مواساة، وإن كان مجلس فرح فهو بهجة وتبريك، وإن كان مجلس صلح فهو رغبة في إنهاء خصومة بين الناس. وإن كان الحالم هو الضيف فهو من يُكرَم، وإن كان المضيف فهو من يُكرِم. وإن كان المجلس خالياً إلا من القهوة فقد يدل على شوق إلى اللمّة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل ضيافة القهوة العربية على أهل كرام ومجلس طيب، وعلى أدب وحياء يُحمدان لها، وربما على زيارة قريبة لأسرة كريمة. وللمرأة المتزوجة قد تدل على بيت مضياف وعلى جهد في استقبال الأهل، وعلى تقدير يُوجَّه لها من أسرة زوجها. وكل ذلك قراءات احتمالية لا قطع فيها.
وللرجل قد تدل على مكانة ومجلس ووجاهة بين أهله، أو على مسؤولية كبيرة كإصلاح ذات البين أو استقبال وفد. وللتاجر قد تدل على وجاهة تساعده في معاملاته إن حسن إكرام شركائه. وللشاب قد تدل على تعلّم آداب المجالس من الكبار. ولا بد من التنبيه إلى أن هذه الأمور تُنال في اليقظة بالتعامل الحسن لا بالمنام.
ومن التفاصيل التي تُعين على الفهم أن يُقدَّم الفنجان بالبدء من الأكبر أو الأولى بالتقديم، فهو من علامات الأدب، وأن يُملأ الفنجان بقدر يسير دون إسراف، فهو من علامات الحكمة. وإن رأى الحالم أحد الضيوف يهزّ فنجانه فهو إشارة إلى الاكتفاء والأدب في الشكر. وإن رأى التمر مع القهوة فهو بركة وقناعة، وإن رأى البخور فهو فخامة ووقار. وإن غاب أحد عن المجلس فقد يدل على شوق إليه.
وهناك معنى لطيف آخر، فالقهوة العربية لا تُقدَّم عادة للشخص الواحد وحده، بل في مجلس يحفظ كل أحد فيه مقامه ويُصغي فيه الصغير للكبير ويرحم الكبير الصغير. فقد تكون الرؤيا تذكيراً بقيمة هذه الآداب وبضرورة العودة إليها في زمن السرعة. وقد تدعو الحالم إلى أن يعلّم أبناءه شيئاً من هذه الأصول بالقدوة. وهذا من أجمل ما يُستفاد من الصورة.
وأما الجانب النفسي فقد تعبّر الرؤيا عن حنين إلى زمن قديم أو إلى جلسات الأجداد، أو عن اعتزاز بالتراث، أو عن شوق إلى المجتمع بعد غربة. وقد يراها المغترب أكثر من غيره. وقد تعكس رغبة في أن يُقدَّر وأن يُحسَن استقباله. فلنأخذ منها الدفء ولنترك التهويل.
ومن الفوائد العملية أن يزور الإنسان كبار أهله، وأن يصل رحمه، وأن يحيي سنّة الاستقبال الطيب في بيته ولو بفنجان بسيط وكلمة طيبة. وأن يتجنب التكلف المرهق، فالكرم يكمن في الصدق. وأن يقدّر جهد من يخدمه في المجالس. وهكذا تتحول الرؤيا إلى عمل صالح في اليقظة.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو علاقة أو عمل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدعُ المرء ربه وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب المشروعة في يقظته.
