من العادات المتوارثة في كثير من البلاد العربية أن تُقدَّم القهوة في جلسة طلب اليد والخطوبة، وهي جلسة تجمع الأسرتين على حديث رسمي يغلب عليه الأدب والتحفظ. ولذلك قد يرى بعض الناس هذا المشهد في المنام حين يفكرون في الزواج أو يتهيأون لمناسبة قريبة أو يسمعون عن خطبة في محيطهم. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن خطبة ستتم أو لن تتم. ونقرؤه هنا قراءة تُبرز معاني الاحترام والتأني وحسن الاستقبال. وهو في العادة حلم لطيف.
جلسة طلب اليد في الرموز بداية علاقة بين بيتين، تقوم على الاحترام وتبادل الثقة وحسن النية. والقهوة فيها ترمز إلى الاحتفاء بالضيوف وإلى الوقار الذي يليق بهذا الموضع. وهي دلالة على الأدب الذي يسبق الكلام، فلا يبدأ الحديث إلا بعد الضيافة. وفي مرارتها معنى لطيف يذكّر بأن الزواج مسؤولية تقتضي صبرًا. فالصورة تدور حول الترحيب والتأني وحسن البدايات.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الخطبة والنكاح وفي مجالس الأفراح، وفيه تفصيلات تختلف باختلاف الأحوال، ولا يصح أن نقول إنهم تناولوا القهوة بنص صريح لتأخر شيوعها. ولذلك فما يُقال اليوم أكثره قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن هذه المشاهد قد تدل على تفكير في الارتباط أو على بشرى، وذهب آخرون إلى أنها من حديث النفس. واختلف المفسرون في ذلك فلا نجزم.
ويتغير المعنى بتغير السياق، فإن كانت القهوة تُقدَّم في جو ودود والحاضرون مبتسمون فهو أقرب إلى الراحة والقبول. وإن كان الجو متوترًا أو القهوة تنسكب فقد يعبر عن قلق من الموقف ورهبة الحديث. وإن كان الرائي هو من يقدّم القهوة فقد يدل على حسن الأدب واحترام الضيوف، وإن كان هو الجالس المنتظر فقد يدل على ترقب. ولحضور كبار الأسرة دلالة على أهمية القرار.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبر الرؤيا عن تفكيرها في الارتباط وما ينتظرها من مرحلة جديدة، وعن شعور مختلط من الفرح والخوف. وللرجل قد تعبر عن استعداده لتحمل مسؤولية بيت جديد. وللمرأة المتزوجة قد تدل على مشاركتها في ترتيب خطبة لأحد أقاربها. وللحامل قد تعبر عن أمنيات للأبناء. وكلها قراءات عامة لا تحمل وعدًا، ومن أراد الارتباط فعليه بالسؤال والتحري والاستخارة والمشورة.
ومن الفروق الدقيقة ترتيب المجلس وحسن الضيافة، فالمجلس المنظم يعبر عن استعداد، والمرتبك عن توتر. ومنها وجود الحلوى والتمر مع القهوة، فهو يدل على تمام الضيافة. ومنها من تكلم ومن أصغى وما قيل في الجلسة، ومنها شعور الرائي بالطمأنينة أو القلق عند الاستيقاظ. وكلها قرائن تقريبية تُستأنس بها.
ومن الناحية النفسية قد يكون الحلم انعكاسًا لانشغال الذهن بموضوع الزواج، وهو موضوع يشغل الكثيرين خاصة حين تضغط الأسرة أو المجتمع. والعقل يعيد تمثيل هذه الجلسات التي يتوقعها. وينفع أن يهدأ المرء وألا يستعجل قراراته، وأن يتحدث مع أهله بصراحة عن مخاوفه وآماله.
وقد يستحضر الرائي أن الارتباط الموفق يقوم على الدين والخلق والتفاهم والتكافؤ، وأن الزواج ليس مجرد مناسبة اجتماعية بل عهد كبير. وأن أجمل ما في الخطبة أن تُبنى على الصدق والوضوح لا على المظاهر. وهذا أنفع ما يؤخذ من الحلم.
ولا بأس بالدعاء لمن يتهيأ للزواج بالتوفيق والبركة، وتيسير الأمور على الشباب والفتيات المقبلين على هذا الطريق. فالتيسير والاعتدال في المهور والمطالب من أسباب البركة. ويحسن أن يتواصى الأهل بذلك بينهم.
ومن العادات الجميلة في مجالس طلب اليد أن يبدأ الضيوف بالسلام والتحية قبل أي كلام عن الموضوع، وأن يُقدَّم الفنجان الأول للأكبر مقامًا، فتقوم الجلسة على الأدب والتقدير. وقد يعكس الحلم احترام الرائي لهذه التقاليد أو رغبته في الالتزام بها. ويرى بعض المفسرين المتأخرين أن إتمام شرب القهوة في المجلس قبل الكلام قد يرمز إلى تأنٍّ محمود وإلى أن الأمور تحتاج إلى مهلة وتدبير. وإن رأى الرائي أن الفنجان لم يكتمل أو أُخذ منه فقد يدل على استعجال أو نقص في الاستعداد، وكل ذلك على سبيل التأمل لا الحكم.
وقد تكون أجمل فوائد هذه الرؤيا أن تدفع صاحبها إلى مراجعة نيته وأهدافه من الارتباط، وأن يتأكد من صدق رغبته وقدرته على تحمل التبعات. فالإنسان إذا صدق في نيته وأخذ بالأسباب يسّر الله له أمره بإذنه.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي في الخطبة أو الزواج أو غيره. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء والاستخارة وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يرزق كل طالب زواج رفيقًا صالحًا.
