يرى كثير من الموظفين والعاملين أنفسهم في المنام يشربون القهوة في مكان عملهم، وهو مشهد مألوف جدًا لأن القهوة رفيقة ساعات العمل الطويلة في أغلب المؤسسات. وفي الغالب تكون هذه الرؤيا انعكاسًا لما يشغل صاحبها من مهام ومواعيد وعلاقات مع الزملاء. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن ترقية أو خسارة ستحدث، ولا ينبغي أن يُبنى عليه أي توقع. ونقرؤه هنا قراءة هادئة تُبرز معاني الجد والاعتدال وحسن التعامل. وهو حلم يعكس الحياة اليومية أكثر مما ينبئ بالمستقبل.
العمل في الرموز مرتبط بالسعي والرزق والمسؤولية وبناء الذات، والقهوة فيه ترمز إلى النشاط والمثابرة وإلى الاستراحة القصيرة التي تعين على الاستمرار. وهي دلالة كذلك على الزمالة وتبادل الحديث بين الزملاء، فكثير من الصداقات تنشأ في غرف الاستراحة. وفي مرارتها معنى يشير إلى أن الجهد في العمل يحتاج إلى صبر قبل أن يؤتي ثماره. ولها كذلك دلالة على حسن الضيافة إذا قُدمت للعملاء والزوار. فالصورة تجمع بين الجد والمودة.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الصناعات والأعمال وفي كسب الرزق، ولا يصح أن نقول إنهم تناولوا القهوة نصًا، فقد انتشرت في قرون متأخرة. ولهذا فأقدم كتب التعبير تسكت عنها في الغالب، وما يُقال اليوم عنها قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن السعي في المنام يدل على همة وطلب رزق، وإن القهوة قرينة على اليقظة والمثابرة، وإن اختلف الحكم باختلاف التفاصيل. واختلف المفسرون في ذلك فلا نجزم بقول.
يتغير المعنى بحسب السياق، فإن كانت القهوة ساخنة في استراحة هادئة بين الزملاء فذلك يوحي بجو إيجابي وتعاون. وإن كانت مسكوبة على الأوراق أو الجهاز فقد يُقرأ ذلك على أنه قلق من خطأ أو تعثر في إنجاز مهمة. وإن قدمها المدير أو رئيس العمل فقد يدل على تقدير أو توجيه، وإن قدمها الرائي لغيره فقد يدل على روح المبادرة. وللكمية دلالة، فالإكثار منها في العمل قد يعبر عن ضغط وإرهاق.
وللرجل قد تكون هذه الرؤيا تعبيرًا عن انشغاله بمسؤوليات الوظيفة والرغبة في تقدير جهده، وللتاجر قد تشير إلى انشغاله بحساباته ومعاملاته مع العملاء والموردين. وللمرأة العاملة قد تعبر عن توازنها بين العمل والبيت وحاجتها إلى لحظة هدوء. وللفتاة التي تبدأ حياتها المهنية قد تدل على حماسها وخوفها من الجديد معًا. وللحامل قد تدل على إرهاق الدوام وحاجتها إلى الاستراحة. وكل هذه معانٍ عامة.
ومن الفروق الدقيقة المكتب الذي يجلس عليه الرائي، فالمكتب المرتب يدل على تنظيم، والمزدحم يدل على تراكم. ومنها وجود آلة القهوة أو إبريق خاص أو كوب مألوف، فلكل ذلك إيحاء بالألفة. ومنها وقت الدوام، فالصباح الباكر قد يدل على الحماس والمساء قد يدل على التعب. ومنها هل كان الرائي وحيدًا أم مع الزملاء، فالوحدة قد تعبر عن تركيز أو عزلة، والجماعة عن تعاون.
ومن الناحية النفسية قد يرتبط الحلم بالضغط الوظيفي أو بالرغبة في استراحة، فالقهوة لدى كثيرين مفتاح اليوم الوظيفي. وقد يظهر المشهد حين يكون الإنسان متوترًا من مهمة قادمة أو حين يشتاق إلى جو الزملاء إن كان في إجازة. وينفع صاحب الرؤيا أن ينظم أولوياته وأن يأخذ فترات راحة حقيقية وأن يحافظ على علاقة طيبة مع زملائه، وألا يفرط في المنبهات.
ولا يخفى أن للعمل آدابًا تزيده بركة، كالأمانة والإتقان وحسن المعاملة وعدم الغيبة بين الزملاء وإنجاز المهام في وقتها. ومن اجتهد فيها نال رضا الناس وبارك الله له في رزقه. وقد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بمراجعة هذه الأخلاق في بيئة العمل، فيبتسم المرء لزملائه ويعتذر عند الخطأ ويعين من يحتاج. وهذه الخلاصة العملية أنفع من أي تأويل.
ويحسن كذلك أن يستحضر المرء أن الرزق بيد الله، وأن السعي سبب لا خالق للنتيجة. فيجتهد دون أن يتعلق قلبه بالوظيفة تعلقًا يُقلقه، ويتوكل على الله دون أن يترك العمل. ومن جمع بين الاجتهاد والتوكل ارتاح قلبه وبورك في ماله. وهذا المعنى من أقوى ما ينفع في أيام الضغط.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي في الوظيفة أو الاستقالة أو المال. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب التوفيق في عمله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يبارك في أرزاقنا وأعمالنا.
