قد يرى الحالم في منامه قهوة سوداء داكنة بلا حليب ولا سكر، صافية قوية الرائحة، تتصاعد منها أبخرة خفيفة في فنجان صغير أو كوب كبير. وهذا المنظر مألوف عند من يألفون هذا النوع في اليقظة، وقد يراه أيضًا من لا يألفه فتثير فيه فضولًا. ومن الجميل أن ننظر إلى هذه الصورة نظرة هادئة، فنقول إن التعبير هنا رمزي ظني، وإن الحلم قد لا يعدو أن يكون صورة عابرة، ولا يلزم من ظهور اللون الأسود فيه معنى سيئ، فاللون وحده لا يحكم.
اللون الأسود في القهوة هو لون الصفاء والتركيز لا لون الحزن، فصاحبها يشربها خالصة كما هي، بمرارتها وقوتها. ولذلك يرتبط في المخيلة بالجد والجلوس إلى أمر يحتاج انتباهًا، وبالصراحة التي لا تجمّل ولا تخفّف. فإذا رآها الرائي في المنام، فقد تشير إلى مرحلة من الحزم أو إلى موقف يريد أن يراه على حقيقته دون تزويق. وتحمل كذلك ما تحمله القهوة عمومًا من ضيافة ومجالس ويقظة.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الشراب المر في المنام قد يدل على مشقة تعقبها فائدة، وأن اللون الأسود قد يحمل عند بعضهم معنى الهيبة والرفعة وعند آخرين معنى الكدر بحسب الموضع، وهي أقوال تتفاوت وتحتمل. ولا بد من الصراحة بأن القهوة لم تظهر في عصر أوائل المعبرين، فلا يوجد لها حديث عندهم، وما يُنسب من تفسير فهو من قياس المتأخرين. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا ينبغي أن يُعتمد على قول واحد منها.
ويتغير المعنى بتغير الشعور والسياق. فإن شربها الرائي بتلذذ وهي سوداء، فقد يدل ذلك على رضا بالحال الجادة وقبول بالمسؤولية. وإن عافتها نفسه لمرارتها، فقد يعبّر عن ضيق بصراحة لم يتهيأ لها أو بأمر ثقيل. وإن قدّمها له شيخ أو كبير في السن، فقد يرتبط الأمر بحكمة أو نصيحة. وإن كانت في فنجان أنيق في مجلس، فقد تكون إشارة إلى اجتماع جاد يتطلب انتباهًا. وللحرارة والرائحة أثر في الفهم أيضًا.
وللفتاة غير المتزوجة، قد تدل القهوة السوداء على مرحلة جدية في دراستها أو عملها أو في تفكيرها بمستقبلها، وعلى رغبة في وضوح الأمور، ويحسن ألا يُحمَّل الحلم أكثر من ذلك. وللمرأة المتزوجة، قد تشير إلى حديث صريح مرتقب مع من تحب أو إلى مسؤوليات تحتاج إلى حزم، أو إلى لحظة صفاء تستمتع بها وحدها. وهذه قراءات عامة تحتمل غيرها.
وللرجل، قد تُقرأ القهوة السوداء على أنها رمز للعمل الجاد والمسؤولية والقرارات التي تحتاج رزانة، أو لمجلس رجال ذي هيبة. وللتاجر، قد تدل على مرحلة تحتاج فيها الحسابات إلى دقة وصراحة، دون تجميل للأرقام. وللحامل، قد يتصل الحلم بتغير ذوقها أو بحنينها إلى طعم مألوف، وليس فيه ما يخالف الطبيعي. ولا يُبنى على ذلك حكم.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كانت القهوة سوداء لأنها لم تُضف إليها إضافات، أم لأنها محروقة؟ فالأولى صفاء والثانية قد تعبّر عن أمر زاد عن حده. وهل كانت ساخنة أم فاترة؟ فالسخونة حيوية والفتور تراخٍ. وهل كان الفنجان صغيرًا أم كبيرًا؟ فالصغير يوحي بالتركيز والتقدير، والكبير بالامتداد. وهل شربها الرائي حتى آخرها؟ فذلك قد يشير إلى صبره على أمر حتى يتمه، لكنه تأويل ظني.
وفي الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن رغبة في الوضوح وعن استعداد لمواجهة أمر بصراحة، أو عن رغبة في لحظة تركيز بعيدة عن الزخارف. وهو دعوة إلى أن يسأل الإنسان نفسه: ما الذي أحتاج أن أراه على حقيقته؟ وما الأمر الذي أؤجله وأحتاج حزمًا فيه؟ والحزم الهادئ مع اللطف هو أنفع ما يستخلصه الإنسان من مثل هذه الصور، لا الخوف ولا التشاؤم.
وقد يكون من الحكمة أن نقول إن السواد في الأحلام لا يعني الشؤم دائمًا، وإنما يتغير معناه بحسب الشيء الذي يلبسه. فسواد القهوة هو سواد الدفء والكثافة والعمق، وهو قريب من لون الليل الهادئ الذي يتسع للتأمل. ولذلك فلا يليق أن يتشاءم أحد من هذه الصورة، بل يمكن أن يأخذ منها ما فيها من قوة وسكينة.
ويمكن أن نضيف أن القهوة السوداء في ثقافة الضيافة العربية ترتبط بمقام الصدق والترحيب، فهي تُقدَّم خالصة لا يخالطها شيء احترامًا للضيف. ومن هذه الزاوية قد يحمل الحلم معنى الإخلاص والوضوح في التعامل مع الناس، أي أن يكون المرء على سجيته كما هو. ولعل في ذلك رسالة هادئة لمن يتكلف في علاقاته أو يتصنع، بأن البساطة الصادقة أحب إلى القلوب. وهذا مجرد استئناس بالرمز، لا يُلزم أحدًا بشيء.
وبعد، فهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في العمل أو المال أو الأسرة. والخير في أن يقابل المرء ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله. وما تخفيه الأيام من الأحداث علمه عند الله وحده، فلا يعلمه ولا يدعيه أحد.
