قد يرى النائم أن الفنجان الذي يحمل القهوة انكسر في يده، أو أنه مشقوق من الجانب فتسرب منه ما فيه، أو أنه ناقص الحافة، أو أنه وقع على الأرض وتناثرت شظاياه وانسكبت القهوة. وهذه الصورة تُحدث في النفس انقباضًا خفيفًا، ولكن كثيرًا من الناس يرونها، وهي ليست في أكثر الأحيان إلا صدى لتخوفهم من الإحراج في الضيافة أو لموقف مرّ بهم. وينبغي أن نقول من أول الأمر إن التعبير هنا رمزي ظني، فلا يُفهم من الكسر في الحلم أن مصيبة ستقع.
القهوة ترمز إلى الضيافة والكرم، وإلى اليقظة والجد، وإلى المجالس ومودتها، وإلى مرارة محتملة تعقبها منفعة. والفنجان هو الوعاء الذي يحمل هذه المعاني، فإذا انكسر فكأن الوعاء لم يثبت ولم يحفظ ما فيه. ومن هنا قد يشير الحلم إلى أمر غير مستقر، أو إلى موقف ضيافة لم يكتمل كما أُريد، أو إلى انتهاء مرحلة وابتداء أخرى. وكثير من الناس يعتقدون أن كسر شيء بسيط قد يحمل خيرًا بالتخلص مما قدم، وهذا من التفاؤل الشعبي لا من الأحكام.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن كسر الإناء في المنام قد يدل على فراق أو انقطاع أو تغير حال، وقد حمله بعضهم على التخلص من هم، وهي أقوال تتفاوت وتُنقل على سبيل الاحتمال. ولا بد من الإفصاح بأن القهوة لم تظهر في عصر أوائل المعبرين، فلا يرد لها ولا لفنجانها ذكر في كتبهم الأولى، وإنما يلحقها المتأخرون بالأصول العامة قياسًا. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا يليق الجزم بواحد من الأقوال، ولا التشاؤم بأي منها.
ويتغير المعنى بتغير سياق الكسر. فإن كان الكسر بيد الرائي فجأة، فقد يعبّر عن توتر أو عن خوف من الخطأ أمام الناس. وإن كان الفنجان مشقوقًا فقط ولم يتسرب منه شيء، فهو أقرب إلى أمر فيه ثغرة صغيرة يمكن تداركها. وإن انكسر وهو فارغ، فقد يدل على انتهاء أمر لم يعد فيه ما يُحفظ. وإن انكسر وانسكبت قهوته، فقد يعبّر عن موقف ضيافة تعثر، ولكنه يمر. وإن جمع الرائي الشظايا بهدوء، فهو إشارة إلى تدارك وتصرف حكيم.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى توتر من موقف اجتماعي أو إلى خوف من خطأ صغير أو إلى نهاية فكرة لم تكن ملائمة لها، فلتحمد الله على ما يُصرف عنها. وللمرأة المتزوجة، قد يتصل بأعباء الضيافة وخشية التقصير أو بحرص على أدوات بيتها، أو بتغير في روتين البيت. وهذه معانٍ عامة، وفيها كثير من الاحتمال، ولا يليق أن تتحول إلى هاجس.
وللرجل، قد يُقرأ الكسر على أنه انتهاء علاقة عمل أو اتفاق لم يعد مناسبًا، أو تنبيه إلى الحرص على ما بين يديه. وللتاجر، قد يرتبط الحلم بحرصه على بضاعة قابلة للكسر أو بمراجعة اتفاق قديم، ولا يُبنى عليه قرار. وللحامل، فإن الأحلام التي تقع فيها الأشياء قد تعكس خوفها الطبيعي على نفسها وجنينها، وليس فيها دليل على شيء، ويكفيها أن تذكر الله وتستشير طبيبها في ما يقلقها حقيقة.
ومن التفاصيل المهمة: هل كان الفنجان غاليًا أم عاديًا؟ فكسر الغالي يعبّر عن حرص على ما هو ثمين، وكسر العادي أخف شأنًا. وهل شعر الرائي بالأسف أم بالارتياح؟ فالأسف يدل على تعلق، والارتياح على أن الأمر قد زال بسلام. وهل حضر أحد في المشهد فواساه أو لامه؟ فالمواساة إشارة إلى دعم يأتي من الناس، واللوم إلى حساسية من حكمهم. وهل أُبدل الفنجان بآخر؟ فهذا أقرب إلى بدائل وفرص جديدة.
وفي الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن خوف من الخطأ أو من الإحراج، وهو خوف إنساني مألوف ولا بأس به. ويمكن أن يكون دعوة إلى التسامح مع النفس، فالفناجين تنكسر، وكذلك الأخطاء الصغيرة تقع، ولا تنهي الدنيا. ومن أخذ الأمر بخفة تعافى سريعًا وعاد إلى مجلسه. وقد يكون الحلم تذكيرًا بعناية أكثر بما نملك، وبقيمة ما بين أيدينا قبل أن نفقده.
وليس في الحلم ما يدعو إلى التشاؤم، فكثير من الناس يرونه ثم لا يقع لهم شيء. وإن وقع لهم أمر فهو من أحداث الحياة العادية، لا من أثر المنام. ومن الحكمة ألا نربط الأحداث السيئة بأحلامنا، فالأول من تدبير الله والثاني من حديث النفس. وإذا انتابك قلق، فاذكر الله واستعذ به من الشيطان، ومضِ في يومك بثقة وسكينة.
وعلى أي حال فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في العمل أو المال أو الأسرة. والأحسن أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله. وما تخفيه الأيام من علم الغيب لا يعلمه إلا الله وحده.
