قد يسأل الأهل عن معنى رؤية طفلهم القهوة في منامه، وهو أمر طبيعي يحدث لأن الطفل يشاهد القهوة في بيته وبين الكبار فتنعكس صورتها في خياله. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، وأحلام الأطفال في الغالب انعكاس لما يرونه ويسمعونه في يومهم، فلا تحتاج إلى تهويل. وينبغي أن يكون التعامل معها بلطف ومرح، فلا يُشعَر الطفل بأن في الأمر شيئًا مقلقًا. وما نذكره هنا من معان ليس إلا قراءة رمزية عامة تنفع التأمل لا أكثر.
القهوة في الرموز ترتبط بالضيافة والكرم ومجالس الكبار التي يُقدَّم فيها الاحترام والأدب. وترتبط باليقظة والجد والسعي، وبالأمور التي تحتاج إلى صبر وتأنٍّ. وهي ترمز إلى صلح الناس وتقاربهم حين يجتمعون على فنجان واحد. وفي مرارتها معنى يدل على أن بعض الخير يأتي بعد قليل من الجهد. وفي حال الطفل تتخذ هذه المعاني لونًا خاصًا يرتبط بالنمو والتعلم ومحاكاة الكبار.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الأشربة وفي رؤية الصغار، ولا يصح أن نقول إنهم نصّوا على القهوة. فقد شاع شرب القهوة في عصور متأخرة، ولهذا لا نجد لها ذكرًا واضحًا في أقدم كتب التعبير، وما يُقال عنها اليوم أكثره قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن رؤية الصغير شيئًا من مظاهر الكبار تدل على نضج مبكر أو مسؤولية تنتظره، وذهب آخرون إلى أنها مجرد صورة لما يألفه في بيئته. واختلف المفسرون في ذلك، فلا ينبغي الجزم بشيء.
وللسياق أثر كبير، فإن كان الطفل يشرب القهوة بلذة في جو أسري دافئ فذلك يدل على الألفة والانتماء. وإن كانت القهوة شديدة المرارة فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بالضيق من أمر في المدرسة أو في اللعب. وإن كان يحمل الصينية ويقدمها للضيوف فقد يرمز إلى حبه لمساعدة الآخرين وتعلق قلبه بالأدب والاحترام. وإن كان الذي قدّمها له أحد والديه فذلك رمز لعناية الأسرة به ورغبتها في إشراكه.
ولعل من أجمل ما قيل في مثل هذا أن يُنظر إلى صورة الطفل مع القهوة على أنها علامة لتطلعه إلى عالم الكبار وفضوله تجاهه. فالأطفال يحبون أن يقلدوا من حولهم، ويشعرون بالفخر حين يُعطون شيئًا من الثقة والمسؤولية. وقد يكون الحلم تعبيرًا عن هذه الرغبة في أن يكون له دور وكلمة. فليحرص الأهل على احتضان هذا الميل الطيب وتوجيهه نحو الأعمال المناسبة لعمره، كالمساعدة في ترتيب المجلس أو تقديم التمر والماء للضيوف.
ومن الدقائق في التفسير مكان الحلم، فإن كان في بيت الجد فقد يشير إلى تعلق بالأصول والعائلة الكبيرة. وإن كان في المدرسة فقد يرتبط بالجدّ في الدراسة والرغبة في التفوق. ومن التفاصيل أيضًا لون الفنجان وشكله وأنس الطفل به، فكلما كان المشهد مفعمًا بالبهجة مال المعنى إلى الخير. أما إن استيقظ الطفل خائفًا فالأولى تهدئته واحتضانه وعدم الإلحاح عليه بالأسئلة، لأن الطمأنينة أهم من أي تأويل.
ومن الناحية التربوية يمكن للأهل الاستفادة من هذه الرؤيا لفتح حديث لطيف مع طفلهم عن آداب الضيافة وقيمة الكرم والإصغاء إلى الكبار. ويمكن أن يعلّموه أن القهوة شراب الكبار الذي لا يناسب الصغار لما فيه من منبّه، وأن لكل سن ما يناسبها. وفي ذلك فرصة لتعليمه الصبر ومعنى التدرج في الأمور. كما أن إشراكه في أجواء الأسرة الدافئة بطريقة مناسبة يقوي شعوره بالأمان والانتماء.
ويحسن بالأهل ألا يتخذوا من هذه الأحلام مقياسًا لمستقبل الطفل أو شخصيته، فهو ما يزال في طور التكوين والنمو، وتتغير أحلامه كل يوم. ويكفي أن يغمروه بالحب والدعاء والرعاية الحسنة، وأن يحرصوا على نومه الهادئ وغذائه المتوازن. وإذا تكررت الأحلام المزعجة فالأولى مراجعة ما يرى ويسمع في يومه وتخفيف ما يثير قلقه.
وإذا كان الطفل في سن المدرسة فقد تتصل الرؤيا بما يعيشه من مواقف يومية بين أصدقائه ومعلميه، فتأتي القهوة رمزًا لحاجته إلى الاستقرار والانتباه في دراسته. وقد يرى بعض المفسرين المتأخرين أن حضور هذا الشراب في منام الصغير إشارة إلى أنه يحتاج إلى مزيد من الراحة والنوم الكافي، لأن اليقظة المفرطة ضد طبيعة عمره. وقد يكون للأمر صلة بسماعه كلمات الكبار عن السهر والتعب والعمل. فلا بأس أن يُسأل الطفل بلطف عن يومه وما يحب وما يضايقه، فتكون الرؤيا بابًا للحوار القريب بينه وبين والديه. وبهذا تتحول الصورة العابرة إلى فرصة للتقارب والتوجيه الحسن.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار في تربية الطفل أو مستقبله. فالأولى مقابلة الرؤيا بالدعاء له وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يصلح أبناءنا ويحفظهم ويجعلهم قرة عين لوالديهم.
