رؤية حبوب القهوة في المنام من الرؤى التي تظهر فيها المادة الأولى قبل أن تصير شراباً، فيرى الحالم حبات داكنة لامعة في كيس أو وعاء، أو منثورة على طاولة، أو في كفه. وقد يرى حبوباً خضراء لم تُحمّص، أو بنية بعد تحميصها. وهي صورة تكثر عند من يتعاملون مع البن أو يحبون شراءه مطحوناً طازجاً. ونذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه ظنّي يخطئ ويصيب.
الحبوب في الرمز العام تدل على الرزق والمادة الخام والبذور التي قد تتحول إلى ثمار. وحبوب القهوة تحديداً مادة تحتاج إلى تحميص وطحن وإعداد حتى تصير نافعة، فكأنها تقول إن الرزق يحتاج إلى تدبير وعمل. وقد تدل على مال قليل متفرق يُجمع ويُستثمر بحكمة، أو على فرصة لم تنضج بعد. وهي كذلك رمز للكنز البسيط الذي يكمن في الأشياء الصغيرة. فمعناها الرزق والادخار والصبر.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحبوب أن الحبوب تدل على مال وأرزاق بحسب كثرتها وجودتها، وأن ما يُدّخر منها يدل على اقتصاد وحسن تدبير. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحبوب قد تدل على أرزاق متفرقة تحتاج جهداً في جمعها. وأوضح أن القهوة لم تكن مألوفة في الأزمنة الأولى التي دُوّنت فيها كتب التعبير، فلا نصّ على حبوبها بعينها، وإنما يُقاس على الحبوب عامة، والمتأخرون مختلفون في ذلك. فلنقل إنه استئناس لا أكثر.
ويتغير المعنى بتغير حال الحبوب. فإن كانت لامعة نظيفة ذات رائحة طيبة فالأقرب أنها رزق جيد وحسن تدبير، وإن كانت مسوّسة أو متعفنة فقد تنبّه إلى مال أو أمر لم يُحسن حفظه. وإن كانت كثيرة في أكياس فهي مدخرات، وإن كانت قليلة في كف الحالم فهي نصيب بسيط مبارك. وإن كانت خضراء فهي بدايات لم تنضج، وإن كانت محمصة فهي أمر جاهز للاستعمال. وإن كان يبيعها أو يشتريها فسيأتي لذلك رؤى مستقلة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل حبوب القهوة على رزق ودراسة وجهد يتجمع شيئاً فشيئاً، وعلى حاجة إلى الادخار والتخطيط. وللمرأة المتزوجة قد تدل على تدبير شؤون البيت والمال، أو على بركة في الرزق تأتي بصبر. وإن كانت تعدّ الحبوب لتحضير قهوة فقد تدل على استعداد لضيافة. وكل ذلك قراءة احتمالية.
وللرجل قد تدل الحبوب على مال يجمعه من أعمال متفرقة، أو على تجارة صغيرة تنمو. وللتاجر قد تدل على بضاعة رائجة أو مادة أولية ينبغي أن يحسن تصريفها. وللعامل قد تدل على أجر متفرق يتجمع. ويبقى كل ذلك تقديراً بلا ضمان.
ومن التفاصيل الدقيقة أن تكون الحبوب في كيس من الخيش فهي إشارة إلى أصالة وتقليد، أو في علبة أنيقة فهي إشارة إلى تنظيم. وإن كانت تتناثر على الأرض فقد تدل على تفريط في مال أو وقت، وإن كان يلتقطها بعناية فهو دليل حرص. وإن كانت حبوباً مغطاة بالزيت فهي إشارة إلى جودة، وإن كانت باهتة فهي فتور. وهذه القراءات تحتمل أكثر من وجه.
وهناك معنى لطيف آخر وهو أن الحبة الصغيرة قد تصنع فنجاناً يؤنس مجلساً كاملاً، فكأن الصورة تذكّر بأن الأشياء الصغيرة لا تُحقّر. فما يبدو بسيطاً من عمل أو كلمة أو مال قد يكون له أثر كبير بتدبير حسن. وقد تكون الرؤيا دعوة إلى أن يلتفت الإنسان إلى ما بين يديه ويحسن استثماره. ويبقى ذلك معنى عاماً لا وعداً بشيء.
وأما الجانب النفسي فقد تعكس الرؤيا اهتمام الحالم بالتحضير للقادم، أو قلقه على رزقه، أو حبّه للقهوة وانتظاره لفنجان قادم. وقد تكون أثراً من إعلان أو مشهد في سوق رآه حديثاً. فنجعل لها الوزن المناسب. ولا نرهق أنفسنا بالتأويل المفرط.
ومن الفوائد العملية أن يراجع الإنسان ميزانيته ويعيد ترتيب نفقاته، وأن يجتهد في ما يزيد رزقه بالحلال. وأن يقدّر القليل الذي بين يديه ويشكر الله عليه. ومن اقتنى البن فليحفظه في مكان مناسب بعيداً عن الرطوبة، فالتدبير ينفع في الرمز وفي الواقع. وبذلك يخرج الحالم بفائدة عملية.
ومن المناسب أن نشير إلى اختلاف الأمزجة في فهم هذه الصورة، فبعض المعبّرين المتأخرين يميل إلى أن الحبوب المحمصة تدل على رزق جاهز قريب المنال، ويميل آخرون إلى أن الحبوب الخضراء تدل على رزق يحتاج إلى سعي طويل. ولا يُعرف أن أحداً منهم نقل ذلك عن الأوائل بنص ثابت، وإنما هو اجتهاد قائم على المنطق الرمزي. ولذلك من الحكمة أن يأخذ الحالم ما يوافق حاله ويترك ما لا يوافقه. وأن يتذكر أن الحبوب في اليقظة لا تتحول إلى شراب نافع إلا بالجهد، وكذلك الرزق في الحياة يحتاج إلى سعي وتوكل معاً، وهذا هو الدرس الأوضح من الصورة.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار في مال أو شراء أو بيع. والغيب علمه عند الله وحده. فليحسن العبد ظنه بربه، وليدعه أن يبارك له في رزقه، وليأخذ بالأسباب.
