رؤية القهوة على الطاولة في المنام مشهد ساكن هادئ، فيرى الحالم فنجاناً أو أكثر موضوعاً على طاولة خشبية أو زجاجية، وقد يكون بجانبه صحن حلوى أو كتاب أو هاتف. وقد يراه ساخناً يتصاعد منه البخار، وقد يراه منسياً قد برد. وهي صورة تأتي غالباً لمن يمضي ساعات على مكتبه أو في مجالس الجلوس الطويلة. ونذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه ظنّي يخطئ ويصيب، فلا يُتخذ حكماً قاطعاً.
الطاولة في الرمز العام مكان اللقاء والتفاوض والعمل والطعام، فهي المنصة التي تُوضع عليها الأمور أمام الناس. وإذا وُضعت القهوة عليها فكأنها جاهزة للمشاركة أو للانتظار. ولذلك قد تدل الرؤيا على استعداد لمجلس أو اجتماع أو حديث مرتقب، وعلى أمر مطروح يحتاج إلى قرار، وعلى لحظة سكون قبل الحركة. وفيها كذلك معنى الاستقرار في المكان والتهيؤ للجلوس. فمعناها الاستعداد والانتظار والمجلس.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب المائدة والطعام أن المائدة تدل على مجلس وجمع ونفع، وأن ما وُضع عليها من طيب يدل على خير حاضر، وأن خلوها يدل على قلّة. وذهب بعض المفسرين إلى أن المائدة العامرة تدل على سعة الرزق وكثرة الإخوان. وأصارح القارئ بأن القهوة لم تكن مألوفة عند أوائل المعبّرين، فلا نص على وضعها على الطاولة بعينه، وإنما يُقاس على المائدة والأطعمة عامة، وقد اختلف المتأخرون في التطبيق. فنعدّ ما يُنقل اجتهاداً لا يقيناً.
ويتغير المعنى بتغير حال القهوة والطاولة. فإن كانت القهوة ساخنة والطاولة مرتبة فالأقرب أنه استعداد حسن وانتظار طيب، وإن كانت القهوة باردة والطاولة فوضوية فقد تدل على تأجيل أو انشغال بما لا يفيد. وإن كانت الطاولة مليئة بالفناجين فهو اجتماع وضيوف، وإن كان عليها فنجان واحد فهو خلوة وعمل. وإن كانت الطاولة في مكتب فهي عمل، وإن كانت في صالة فهي ضيافة، وإن كانت في الخلاء فهي انفتاح. وإن وُضع الفنجان على حافة الطاولة فهو قلق من سقوطه.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل القهوة على الطاولة على استعداد لزيارة أو لقاء عائلي، أو على فترة مذاكرة أو عمل هادئة. وإن كان إلى جانبها شخص يجلس فقد يُفهم ذلك على انتظار حديث دون قطع بشيء. وللمرأة المتزوجة قد تدل على ترتيب البيت لاستقبال ضيوف، أو على لحظة هدوء بينها وبين زوجها. وكل ذلك قراءات احتمالية.
وللرجل قد تدل على مجلس عمل أو لقاء مرتقب أو قرار مطروح للنظر، وعلى استعداد لتفاوض. وللتاجر قد تدل على اجتماع مع شركاء أو زبائن، ويحسن أن يرتب أوراقه وأفكاره. وللطالب قد تدل على فترة مراجعة. ولا يعني ذلك نتيجة محددة، فالأمور بيد الله.
ومن التفاصيل الدقيقة عدد الكراسي حول الطاولة، فكثرتها تدل على اجتماع، وقلتها على خصوصية. ومنها ما يرافق القهوة من أشياء، فالكتاب يدل على علم، والأوراق على عمل، والحلوى على سرور، والهاتف على اتصال قريب. وإن كانت القهوة في منتصف الطاولة فهي محور الاجتماع، وإن كانت في الطرف فهي إضافة. وإن كان عليها غطاء أو صحن فهو حفظ لنصيب. وإن لمع الضوء عليها فهو وضوح في أمر.
وهناك معنى لطيف آخر، فالقهوة على الطاولة تقول إن في الحياة لحظات انتظار جميلة لا يُراد بها الاستعجال، وإن الجلوس مع فنجان قبل الحديث هو بداية صحيحة لكل لقاء. وقد تكون الرؤيا دعوة إلى أن يمنح الإنسان نفسه مساحة هادئة قبل أن يخوض نقاشاً أو قراراً. وهذا معنى مؤنس يتفق مع الحكمة العملية، دون ادعاء علم بغيب.
وأما الجانب النفسي فقد تعبّر الرؤيا عن انتظار لقاء أو خبر أو قرار، أو عن حاجة إلى مكان هادئ للتفكر، أو عن عادة يومية على المكتب. وقد تعكس الملل أو الرغبة في الجلوس مع من يحب. وهي في الغالب انعكاس للمشهد اليومي. فلنأخذها بخفة.
ومن الفوائد العملية أن يرتب الإنسان مكان عمله أو جلوسه فتصفو نفسه، وأن يحدد وقتاً لاتخاذ القرارات المؤجلة، وأن يدعو من يحب إلى جلسة بسيطة. وأن يتذكر أن في الانتظار فرصة للدعاء والتفكر. وأن يعتدل في عدد الفناجين فلا يكثر منها حتى يؤذي نفسه. وهكذا تصير الرؤيا مناسبة لتحسين العادات.
ولا يخفى أن للطاولة حضوراً في الذاكرة الاجتماعية، فهي حيث يجلس الأهل في الأعياد، وحيث يُوقَّع الاتفاق، وحيث يُكتب الدرس، ولذلك قد تحمل الصورة ذكرى معينة في نفس الحالم. فإذا ارتبطت الطاولة التي رآها بمكان يعرفه فقد تكون القهوة عليها استدعاءً لذكرى أو شوقاً إلى أهل ذلك المكان. وإذا كانت الطاولة غريبة عنه فقد تدل على أجواء جديدة يتهيأ لدخولها. وهذه الدلالات كلها اجتهاد يختلف فيه الناس، ولا يصح الجزم بشيء منها.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليكثر المرء من الدعاء وحسن الظن بربه، وليأخذ بالأسباب المشروعة.
