شرب القهوة المرة في المنام رؤيا يتوقف الناس عندها أكثر من غيرها، لأن المرارة تلفت الانتباه وتترك أثراً في النفس عند الاستيقاظ. وقد يشعر الحالم بالمرارة على لسانه وكأنها حقيقية، فيسأل هل هي علامة سوء أم مجرد صورة عابرة. والأصل أن نقرأ الصورة بهدوء، فالمرارة في الرمز لا تعني الشر بالضرورة، فكم من دواء مرّ كان فيه شفاء. ونؤكد هنا أن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه تقدير محتمل لا حكم قاطع.
المرارة في عالم الرموز تدل غالباً على ما يُصعب احتماله من كلام أو موقف أو مسؤولية، وتدل كذلك على الصبر الذي يُطلب من صاحبه. والقهوة المرة تحديداً صورة لمن يتلقى أمراً ثقيلاً لكنه يتحمله بعزم، كما يتحمل شاربها طعمها لأجل نشاطها ورائحتها. وفيها كذلك معنى الصدق الذي لا يُجمَّل، والنصيحة الصريحة التي تُقال بلا مجاملة. وقد تكون مرارتها إشارة إلى مرحلة انتظار طويلة أو سهر على أمر يهم الحالم. فمعناها أقرب إلى الاختبار والصبر منه إلى الخسارة.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الطعم المرّ في الشراب يدل على همّ أو مشقة بقدر شدته، وأن زوال المرارة أو ما يعقبها من حلاوة يدل على فرج. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المرّ قد يدل على كلام مؤلم أو أمر يُكره لكنه ينفع في العاقبة. والحق أن القهوة لم تكن معروفة في الزمن الذي دُوّنت فيه أقدم كتب التعبير، فهذه الأقوال إنما هي قياس عليها لا نصّ فيها على القهوة. ثم إن المتأخرين اختلفوا في تقدير ذلك، فمنهم من يشدد في أمر المرارة ومنهم من يهوّن. ولهذا ينبغي أن يُؤخذ كلامهم على أنه اجتهاد.
ويتغير المعنى بحسب قدر المرارة ومصدرها. فإن كانت مرارة محتملة تعقبها رائحة طيبة ونشاط فالأقرب أنها صبر مثمر وجهد يأتي بنتيجة، وإن كانت شديدة تؤذي الحلق حتى يتركها الحالم فقد تدل على كلام أو أمر لا يطيقه ويحتاج إلى حدّ ووضوح. وإن شربها في مجلس أمام الناس فقد تشير إلى مجاملة أو تحمل في العلن، وإن شربها وحده فقد تشير إلى همّ داخلي. وإن أضاف إليها سكراً أو ماءً في المنام فقد يُقرأ ذلك على أنه تخفيف يأتي بعد شدة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل القهوة المرة على انتظار طويل في أمر تتمناه أو على مصارحة تحتاج إلى شجاعة، ولا يعني ذلك بالضرورة سوءاً. وقد تشير إلى نصيحة قاسية من أحد الأهل تكون في عاقبتها خيراً. أما المرأة المتزوجة فقد يشير ذلك عندها إلى أعباء البيت التي تصبر عليها، أو إلى حوار صريح مع زوجها يحتاج إلى حكمة. وهذه كلها قراءات احتمالية بحسب ما تعيشه كل واحدة.
وللرجل قد تدل المرارة على مسؤولية ثقيلة أو التزامات مادية يتحملها بصبر، وربما على مرحلة عمل شاق تعقبها راحة. وللتاجر قد تدل على فترة ركود أو تفاوض عسير يحتاج إلى ثبات. وإن رأى الرجل أن الآخرين يشربونها معه فقد يكون ذلك إشارة إلى همّ مشترك أو مشروع جماعي يتطلب تضحية. وهكذا فالمرارة لها وجه الكلفة، لكن للكلفة وجهاً آخر هو الثمرة.
ومن التفاصيل التي تقوّي المعنى أن يكون لون القهوة داكناً جداً أو أن تُقدَّم في فنجان صغير، فهذا يوحي بالتركيز والجدية لا بالشر. وإن شعر الحالم بالراحة بعد شربها فهذا يميل إلى الفرج، وإن شعر بالغثيان فهو يميل إلى التنبه إلى أمر يضايقه. ومن قدّمها له بابتسامة يدل على قرب ومودة وإن كانت مرارتها قاسية، ومن قدّمها بجفاء قد يدل على كلام جاف. والمهم ألا يتعلق قلب الإنسان بتفصيلة صغيرة فيفسد على نفسه يومه.
ومن الناحية النفسية قد تعكس القهوة المرة حالة ضغط أو إرهاق يعيشها الحالم، أو موقفاً لم يستطع هضمه أو الاعتراض عليه. فالمرارة قد تكون ترجمة لشعور مكتوم لم يجد طريقه إلى الكلام. وهنا تكون الفائدة العملية أن يسأل نفسه بصدق عما يثقله، وأن يتحدث إلى من يثق به. فالتعبير عما في النفس أنفع من تحليل المنام، والتنفس والراحة يخففان ما يثقل الصدر.
وينبغي أن نتذكر أن الصبر خلق جميل في كل حال، وأن الصبر على المرّ لا يعني قبول الظلم أو التقصير في حق النفس. فمن رأى هذه الرؤيا فليستفد منها بأن يراجع ما يحمله من أعباء ويرتب أولوياته. وإن كان في المنام مرارة، ففي اليقظة طرق كثيرة لتخفيف الأعباء بالتعاون والاستشارة والدعاء. والإنسان إذا اتزن في نظرته لم تضره صورة مرّة في منامه.
وآخر القول إن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، فلا ينبغي أن يُتخذ سبباً للخوف ولا أساساً لقرار مصيري. والغيب مما استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه أحد من خلقه، ولا يدل عليه منام ولا فنجان. فليعالج المرء قلقه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليمضِ في عمله بالتوكل عليه.
