قد يرى الحالم في منامه قهوة ذهبية اللون تلمع تحت الضوء، أو رغوة ذهبية تعلو الفنجان، أو قهوة تُسكب من إبريق من ذهب، أو مشروبًا يتلألأ كأنه سائل من نور. وهذه من الصور الجميلة التي تُخلّف في النفس انطباع الفخامة والنفاسة. ولأن مثل هذه المشاهد تتأثر كثيرًا بما رآه النائم من إعلانات وصور ومقاهٍ فاخرة، فقد لا تحمل أكثر من أثر ذلك. وإن أردنا التأمل الرمزي فهو ظني على كل حال، لا يقطع بشيء ولا يعد بوقوع أمر.
القهوة في المنام تمثل الضيافة والكرم، واليقظة والاجتهاد، والمجالس الودودة، والمرارة التي يعقبها نفع. وأما الذهب فهو رمز القيمة والنفاسة والبريق، وقد جرت عادة المعبرين على أن تكون له دلالات متباينة بحسب الموضع. فالقهوة الذهبية تجمع بين طابع الضيافة وطابع الفخامة، فكأنها تلمح إلى مجلس رفيع أو لحظة ثمينة أو أمر يبدو نفيسًا في ظاهره. ويبقى الحكم الأخير للشعور الذي يصاحب المشهد.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الذهب في المنام قد يدل على المال والزينة وعلى الهمّ كذلك عند بعضهم لما فيه من فتنة وثقل، فاختلفت فيه الأقوال بين التفاؤل والتحذير. ولا بد من الإفصاح بأن القهوة لم تكن معروفة في زمنهم، فلا يرد عندهم ذكر للقهوة الذهبية ولا لغيرها، وما يُقال في شأنها هو من قياس المتأخرين على أصول عامة. وقد اختلف المفسرون في ذلك، فلا يليق الجزم بتفسير واحد.
ويتغير المعنى بحسب مصدر الذهبية ومكانها. فإن كان اللون ذهبيًا طبيعيًا من رغوة القهوة أو من ضوء الشمس عليها، فهو أقرب إلى معنى الدفء والجمال البسيط. وإن كان الإناء ذهبيًا فاخرًا، فقد يرتبط بمعاني الترف والمكانة أو بمجلس كبير. وإن كان المشروب نفسه ذهبًا سائلًا، فهو أبعد ما يكون عن المألوف، فيميل إلى الخيال المحض والتمني. وإن شعر الرائي بالارتياح فالمعنى ألين، وإن شعر بثقل فيُقرأ على أن البريق ليس كل شيء.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى طموح جميل وأمل في لحظة بهيجة أو مناسبة سعيدة تنتظرها، أو إلى تقدير الناس لها. ويُستحسن أن تأخذ ذلك بتواضع وتفاؤل معًا دون أن تعلق عليه وعدًا. وللمرأة المتزوجة، قد يرتبط بمناسبة في الأسرة أو ضيافة فاخرة تجهز لها، أو بشعور بقيمة ما بين يديها من نعم. وكل ذلك من قبيل الاحتمالات التي لا تُلزم.
وللرجل، قد يدل الحلم على اهتمام بالمكانة والمظهر أو على لقاء ذي شأن، وقد يحمل تنبيهًا إلى ألا ينخدع بالبريق عن الجوهر. وللتاجر، قد يتصل بصفقة لامعة المظهر تحتاج إلى تدقيق، أو برواج بضاعة نفيسة، لكن الواقع لا يُبنى على لون في منام. وللحامل، قد تأتي الصور البراقة تعبيرًا عن فرحتها وترقبها، فهي في الغالب أحلام بهجة بريئة.
ومن التفاصيل المهمة: هل كانت الذهبية خفيفة كلون العسل أم كثيفة كالمعدن؟ فالخفيفة أقرب إلى الدفء والنعمة، والكثيفة أقرب إلى التكلف. وهل شرب الرائي منها فوجدها طيبة المذاق؟ فإن كان طعمها طيبًا مع بريقها، فذلك أقرب إلى انسجام الظاهر والباطن. وإن كان طعمها عاديًا أو مرًّا، فقد يعبّر عن أن القيمة الحقيقية ليست في اللمعان. وهل رأى الذهب مصنوعًا أم فطريًا؟ وتبقى هذه التفاصيل ظنية.
وفي الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن رغبة في أن تكون الأمور الجميلة أجمل، أو عن شوق إلى لحظة احتفاء وتقدير. وهو دعوة إلى أن نلتفت إلى القيمة الحقيقية في حياتنا اليومية: كلمة طيبة، وفنجان يُشرب مع من نحب، ووقت هادئ. فكثير مما نظنه عاديًا هو في الحقيقة ذهب إن أحسنّا النظر إليه. ومن هنا يمكن أن نفهم الحلم دعوة إلى الامتنان.
ومن الحكمة ألا ننساق وراء البريق في الأحلام ولا في اليقظة، وألا نعلق قلوبنا بما يلمع، فالقيمة الباقية في الأخلاق وحسن العمل. وفي الوقت نفسه لا بأس من أن نستمتع بالجمال حين يأتينا، وأن نشكر الله عليه. فبين التواضع والامتنان طريق وسط يرتضيه العقلاء.
ومما يُلاحظ في تأويل الأحلام الفاخرة أن النفس كثيرًا ما تصنع لنفسها في النوم مشاهد من الجمال لم تجده في اليقظة، فتكون الصورة نوعًا من التعويض اللطيف. وهذا لا عيب فيه، فهو من فطرة الإنسان في التطلع إلى الأحسن. غير أن العاقل يفرق بين التطلع الذي يدفعه إلى العمل وبين التمني الذي يبقيه ساكنًا. فإذا رأى الرائي هذا الحلم فليسأل نفسه: ما الجميل الذي أستطيع أن أصنعه اليوم بيدي، ولو كان فنجانًا مرتبًا على طاولة نظيفة أو ضيافة بسيطة لجار؟
وبعد ذلك فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أن يكون مستندًا لقرار في المال أو التجارة أو الإنفاق أو الزواج. والأسلم أن يقابل المرء رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وشكر نعمه. وما سيكون من أمر المستقبل فهو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده.
