رؤية طحن حبوب القهوة في المنام صورة فيها حركة وصوت ورائحة، فكثيرون يتذكرون صوت المطحنة اليدوية أو الكهربائية وعبق البن وهو يتفتت. قد يرى الحالم نفسه يدير مقبض الطاحونة النحاسية، أو يدق الحبوب في هاون، أو يضغط زراً في طاحونة حديثة. وهي رؤيا تناسب من اعتادوا إعداد القهوة بأنفسهم أو شاهدوا ذلك في بيوت أهلهم. وكما في سائر الأحلام فإنها رموز تُقرأ بحذر لا بيقين.
الطحن في الرمز العام يدل على الجهد الذي يسبق الانتفاع، فالحبوب الصلبة لا تصير شراباً إلا بعد أن تُكسر وتُفرم. ولذلك قد يدل في المنام على عمل شاق يتحمله الحالم لأجل ثمرة قادمة، أو على تفكيك مشكلة كبيرة إلى أجزاء صغيرة يسهل التعامل معها. وفيه كذلك معنى إخراج الجوهر من القشرة، أي استخراج النفع مما يبدو صلباً. وفيه شيء من الضجيج والمشقة، فهو ليس فعلاً هادئاً تماماً. فمعناه الصبر على الجهد.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الأرحية والطحن أن من رأى أنه يطحن شيئاً فقد يشتغل بأمر فيه كدّ ثم يصير إلى نفع، وأن الرحى تدل على مصدر رزق ومعاش في بعض ما يُنقل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطحن يدل على سعي في كسب العيش وتدبير الأمور. ولا بد أن أوضح بأن القهوة لم تكن معروفة في الأزمنة الأولى لتدوين هذه الكتب، وأن الحكم على طحن البن إنما هو بالقياس على طحن الحبوب عامة، وأن المتأخرين اختلفوا في وجه التطبيق. فلنقل إنه اجتهاد لا أكثر.
ويتغير المعنى بحسب كيفية الطحن. فإن كان الطحن ناعماً منتظماً والرائحة طيبة فالأقرب أن يدل على إتقان وثمرة قريبة، وإن كان عسيراً تتعثر فيه الطاحونة فقد يدل على عقبة في سعي ما. وإن كان الحالم يطحن بيده فهو جهد شخصي، وإن كان يستخدم آلة فهو سعي بعون أدوات أو أشخاص. وإن تطاير مسحوق البن في كل مكان فقد يدل على تشتت في الجهد. وإن طُحن بقدر الحاجة فهو دليل تدبير.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل طحن البن على اجتهاد في طلب علم أو عمل وصبر قبل النتيجة، وعلى تجهيز لنفسها لمرحلة قادمة. وللمرأة المتزوجة قد يدل على جهد في تدبير البيت والأسرة، أو على إعداد لمناسبة. وإن كانت تطحنه مع أمها أو أخواتها فهو تعاون ومودة. وكل هذا قراءة محتملة.
وللرجل قد يدل على كدّ في كسب الرزق وصبر على عمل شاق، أو على تحضير مشروع قبل إطلاقه. وللتاجر قد يشير إلى مراحل تجهيز للبضاعة أو العمل تسبق البيع. وللطالب على اجتهاد في المذاكرة قبل الامتحان. ولا ينبغي أن يُستخلص من ذلك وعد بنتيجة معينة.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الطاحونة، فالنحاسية القديمة تحمل معنى الأصالة والتقاليد، والحديثة تحمل معنى السرعة. ومنها أن يتصاعد دخان أو ضجيج مفرط فيدل على جهد مرهق، أو أن يكون الصوت مريحاً فيدل على سلاسة. وإن رأى الحالم الحبوب سليمة لامعة فهي علامة جودة المادة التي يعمل بها، وإن رآها مسوّسة فقد ينبّه إلى مراجعة ما يعتمد عليه.
وأما الجانب النفسي فقد تعكس الرؤيا إحساساً بأن الحياة تطحنه بمتطلباتها، أو رغبة في أن يرى ثمرة جهده. وقد تأتي صدى لتعب حقيقي في يقظته. وفي بعض الأحيان تكون الصورة مجرد حنين إلى رائحة البن المطحون التي تملأ البيت. فلنقرأ الرؤيا بميزان القلب الهادئ.
ومن الفوائد العملية أن يفكر الإنسان في الأمور الكبيرة التي يتهيبها، وأن يقسمها إلى خطوات صغيرة يتناولها واحدة بعد أخرى، كما تُطحن الحبوب حبة حبة. وأن يمنح نفسه استراحة بين الجهد والجهد. وأن يقدّر ما بين يديه من رزق ولو قل. وهذا من أنفع ما يؤخذ من الرؤيا.
ومما يُستحسن ذكره أن طحن البن كان في كثير من البيوت القديمة عملاً جماعياً يتناوب عليه أهل الدار، فكان صوته يملأ البيت إيذاناً بقدوم الضيوف أو بحلول وقت المجلس. فإذا ظهر هذا المشهد في المنام استحضر معه معاني الاجتماع والاستعداد والبهجة المنتظرة. وقد يكون في الصورة إشارة إلى أن أمراً سعيداً يُهيَّأ له في دائرة الحالم، دون أن يعلم هو تفاصيله. ومع ذلك فهذا احتمال من الاحتمالات، ولا ينبغي أن نجعله يقيناً.
وإن رأى الحالم أنه يطحن البن ثم يشرب منه مباشرة، فقد يدل ذلك على أنه يجني ثمرة عمله سريعاً، وإن رأى أنه يتركه مطحوناً دون أن يستعمله فقد يدل على جهد لم يكتمل أو على فرصة تنتظر قراراً منه. وإن رأى أن غيره يطحن له فقد يدل على معين يخفف عنه عبئاً ثقيلاً. وكل ذلك يبقى في دائرة التقدير البشري الذي يصيب ويخطئ.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يرقى إلى اليقين، ولا يصح أن يُتخذ سبباً لقرار في مال أو عمل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليكثر المرء من الدعاء وحسن الظن بربه، وليسعَ في الأرض بالأسباب المشروعة.
