رؤية القهوة الباردة في المنام تتنوع صورها بين من يشرب قهوة مثلجة منعشة في يوم حار، ومن يجد فنجانه قد برد قبل أن يشربه. وكل منهما له وجه مختلف، ولذلك لا يصح تعميم تفسير واحد. وهي رؤيا شائعة في أيام الصيف أو لدى من يحبون المشروبات المثلجة. ونتذكر هنا أن التأويل رمزي لا حرفي، وأن الصور تتأثر بحياة الحالم اليومية.
البرودة في لغة الرموز تحمل وجهين، فهي من جهة تدل على الهدوء والسكينة وتبريد الحدّة، وهي من جهة أخرى قد تدل على الفتور وضعف الحماسة. والقهوة أصلاً رمز للجد واليقظة والحرارة، فإذا جاءت باردة فكأنها تقول إن شيئاً من الحرارة قد خفّ. وقد يكون ذلك في صالح الحالم إذا كان في غضب أو توتر، وقد يكون تنبيهاً إذا كان في أمر يحتاج حماسة. فالمعنى يتحدد بما قبله وبعده في المنام.
ونُسب إلى ابن سيرين في الماء البارد وما يشبهه أنه يدل على راحة وسكون وزوال كرب بحسب ما يُروى في بابه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحرارة الزائدة تدل على همّ، والبرودة المعتدلة تدل على سلامة. وينبغي أن نوضح أن القهوة لم تكن معروفة عند أوائل المعبّرين، وأن القهوة المثلجة مبتكر حديث جداً، فلا نص قديماً فيها بعينها. وما يُقال هو قياس واجتهاد من المتأخرين يختلفون فيه. فلنأخذه بحذر وتواضع.
ويتغير المعنى بتغير الحال. فمن شرب قهوة مثلجة منعشة في حر شديد فالأقرب أنه راحة وانفراج بعد كرب، ومن وجد قهوته قد برد فنجانها وفقدت نكهتها فقد يدل على فرصة تأخر استثمارها أو حماسة خمدت. وإن وُضع فيها ثلج فهو تلطيف، وإن ذاب الثلج وخفف طعمها فقد يشير إلى تخفيف مبالغ فيه. وإن كانت مع حليب وحلاوة فهي أقرب إلى الترفيه والمتعة. فالسياق هو الفيصل.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل القهوة الباردة المنعشة على راحة بعد دراسة أو انشغال، أو على لقاء خفيف مع صديقات. وإن كانت باردة بفعل الإهمال فقد تنبّه إلى أمر تأخر الاهتمام به. وللمرأة المتزوجة قد تدل على هدوء بعد توتر في البيت، أو على حاجة إلى وقت لنفسها. وكل هذه قراءات يقترب فيها المعنى من الحياة اليومية.
وللرجل قد تدل القهوة المثلجة على تبريد خلاف أو تخفيف توتر في العمل، وقد تدل القهوة التي بردت على فرصة يجب أن يغتنمها قبل فواتها. وللتاجر قد تشير إلى سوق هادئ أو إلى صفقة فترت حماستها. وللطالب قد تشير إلى فترة راحة بعد اختبار. ولا ينبغي أن يجعل أحد ذلك خبراً قاطعاً بل تنبيهاً عاماً.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الإناء، فالكأس الطويل المثلج يدل على متعة وانتعاش، والفنجان الفاتر يدل على إهمال. ولون القهوة وصفاؤها يدلان على جودة الحال، وتكوّن طبقة على سطحها قد يدل على أمر تُرك طويلاً. وإن شربها بقشة فقد يدل على أمر خفيف لا جهد فيه. وإن رأى الثلج وحده يذوب فقد يشير إلى مرور الوقت.
وأما الجانب النفسي فقد تعكس الرؤيا حاجة إلى تهدئة، أو شعوراً بأن الحماس قد فتر، أو مجرد تأثر بحرارة الجو. فجسم الإنسان يتحدث في المنام بما يحس به من حرّ أو عطش. وقد تكون الصورة نداءً لطيفاً إلى شرب الماء والاستراحة. فلا بأس أن يلتفت الإنسان إلى حاجات جسده البسيطة قبل البحث عن رموز بعيدة.
ومن الفوائد العملية أن يسأل الحالم نفسه هل هو في حاجة إلى تبريد غضب أو تأجيل نقاش، أم في حاجة إلى إحياء حماسة خفتت. فالصورة تصلح لكلا السؤالين. وإن كان يكثر من المشروبات المثلجة المحلاة فالاعتدال أنفع لصحته. وبهذا يتحول المنام إلى مراجعة هادئة.
ومن اللطيف أن نذكر أن القهوة الباردة في كثير من المجالس هي القهوة التي طال انتظار شاربها حتى فقدت حرارتها، ولذلك ارتبطت في الذهن بمعنى الانتظار الطويل أو الأمر الذي تأخر الإقبال عليه. فمن رأى فنجانه قد برد وهو لم يمسّه فقد يكون في الصورة تنبيه رفيق إلى أمر مؤجل يحسن أن يعود إليه بهمة. ولا يعني ذلك أن الفرصة ضاعت، بل أن في الأمر رسالة تقول إن الوقت مناسب للعودة. أما من رأى القهوة المثلجة فأقرب ما فيها الاستمتاع بلحظة خفيفة، ولا حاجة إلى تحميلها أكثر من ذلك. وقد يُفسر بعض الناس البرودة بأنها دلالة على بُعد أو جفاء بين الناس، وقد يفسرها غيرهم بأنها دليل على صلح وهدوء، وكل ذلك مما يختلف فيه. فمن أراد السلامة فليأخذ من الصورة معنى الاعتدال بين الحرارة المفرطة والبرودة المفرطة، وليجعل ذلك منهجاً في أموره.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار في المال أو العمل أو غيرهما. والغيب علمه عند الله وحده، لا يعلمه إلا هو. فليكثر المرء من الدعاء وحسن الظن بربه، وليمضِ في سعيه مطمئناً.
