رؤية القهوة في الصباح من المشاهد المألوفة التي يراها الناس في منامهم، لأنها تقترن في الواقع ببدء اليوم وتهيئة النفس للعمل. وحين تظهر في الحلم على هذا النحو فإنها تحمل طابعًا مشرقًا يوحي بالبدايات والاستعداد. ومع ذلك فالتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن حدثًا بعينه سيقع في الصباح التالي. وغالبًا ما تكون الصورة امتدادًا لعادة يومية تعلقت بها النفس أو لتفكير في يوم حافل ينتظر صاحبه. فلنقرأها بروح هادئة تقدّر المعنى ولا تبالغ في الاستنتاج.
الصباح في الرموز وقت البدايات وصفاء الذهن والنية الجديدة، والقهوة فيه تجمع بين رمز اليقظة ورمز الضيافة الأولى. فهي دلالة على الاستعداد للسعي والجدّ وطلب الرزق بنشاط. وهي أيضًا رمز لصحبة طيبة تبدأ بها الأيام، أو لطمأنينة البيت حين يجتمع أهله على فنجان واحد قبل الانطلاق. وفي مرارتها معنى لطيف يذكّر بأن الوصول إلى الغاية قد يتطلب شيئًا من الصبر. وإذا كان الحلم مقترنًا بإشراقة الشمس فذلك يزيد المعنى وضوحًا وتفاؤلًا.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الصباح والنور وفي الأشربة، ولكن لا يصح أن نقول إنهم نصّوا على القهوة، فهي لم تنتشر إلا في عصور لاحقة. ولذلك فإن أقدم كتب التعبير لا تتحدث عنها إلا قليلًا، وأكثر ما يُنقل اليوم عنها قياس على نظائرها واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن الصباح يدل على انفراج وبداية خير، وأن القهوة تدل على مجلس وضيافة وسعي، فيجتمع المعنيان على إشارة إلى نشاط محمود. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك، فلا ينبغي أن نجزم بشيء.
وللسياق أثر واضح في المعنى، فالقهوة الساخنة العطرة في صباح صافٍ توحي بالراحة والبركة في السعي، بينما القهوة المحروقة أو الباردة قد توحي بتعجل أو بداية متعثرة. وإذا كانت الشمس طالعة والجو لطيفًا فذلك أقرب إلى الأمل. وإذا كانت الأجواء مكتومة والفنجان فارغًا فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بنقص أو حاجة إلى تجديد النية. وللكمية دلالتها كذلك، فالفنجان الواحد المتزن أدعى إلى الاعتدال من الإسراف في الشرب.
أما بالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد يرى بعض المفسرين أن شرب القهوة في الصباح يرمز إلى بداية مرحلة جديدة في دراستها أو عملها أو علاقاتها الاجتماعية. وإذا قدّمتها لأحد من أهلها فقد يعبّر ذلك عن حسن صلتها بهم وبرّها. وهذه كلها قراءات رمزية عامة لا تعد بشيء معين. وإنما المقصود أن تلتفت إلى نيتها وسعيها وتأخذ بالأسباب.
وللمرأة المتزوجة قد تعبر الرؤيا عن انشغالها بترتيب بيتها وتنظيم يوم أسرتها، فتكون القهوة رمز العناية والدفء. وإن رأت زوجها يشاركها الفنجان فقد يُقرأ ذلك على أنه أنس وتفاهم في الحياة المشتركة. وللرجل قد تكون القهوة الصباحية رمزًا لهمّة العمل والتخطيط لليوم، وللتاجر قد تشير إلى استعداده لفتح أبواب رزقه بنشاط وتفاؤل. وكل ذلك على سبيل الاستئناس لا الجزم.
ومن الفروق الدقيقة التي تدقق في المعنى أن يكون الفنجان على مائدة الفطور أو في الشرفة أو في العمل، فكل مكان يلوّن الحلم بلون مختلف. فالمائدة العائلية تشير إلى جمع الأهل، والشرفة إلى تأمل وصفاء، والعمل إلى جدّ وجهد. ومن الدقائق أيضًا مَن يشاركك الفنجان ومن يعدّه، وهل شعرت بالانتعاش أم بالثقل. وكل شعور يصاحب الحلم يرجّح اتجاهًا من اتجاهات المعنى.
ومن الناحية النفسية فإن الحلم قد يعبّر عن حاجة الإنسان إلى بداية هادئة لليوم وإلى لحظة تأمل قبل الانشغال بالمهام. فقد يكون في حياته ازدحام يدفعه إلى الاشتياق إلى هذه اللحظة الصغيرة. وينفع صاحب هذه الرؤيا أن يخصص دقائق كل صباح للذكر والهدوء وتنظيم أولوياته، وألا يسرف في المنبهات. فالتوازن بين النشاط والراحة خير من الإفراط في أحدهما.
ويحسن كذلك أن يستثمر الإنسان هذا النوع من الرؤى في تجديد نيته وترتيب أهدافه، فيجعلها تذكيرًا بأن اليوم فرصة جديدة. ولا بأس أن يشارك أهله أو أصدقاءه جلسة طيبة قصيرة يبدأ بها أيامه. فالألفة والكلمة الحسنة في أول النهار تفتح الصدر وتبارك الوقت بإذن الله. ومثل هذه العادات الصغيرة أنفع من كثرة التأويلات.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار في العمل أو المال أو غيرهما. فالأولى مقابلة الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب التوفيق في السعي. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما نحن فيه من تعبير ليس إلا محاولة لفهم الرموز. نسأل الله أن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمالنا وأن يفتح لنا أبواب الخير.
