يرى بعض الناس في منامهم أنهم يشربون القهوة في المسجد أو في فنائه، وهو مشهد يجمع بين الطمأنينة التي يوحي بها المكان وبين ألفة المجالس التي تعرفها بعض المجتمعات بعد الصلوات. وقد تكون هذه الرؤيا صدى لموقف عاشه الرائي مع جماعة حيِّه أو لاشتياق إلى أجواء روحانية هادئة. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم حدثًا بعينه. ونقرؤه هنا قراءة عامة لطيفة تُبرز معاني الألفة والسكينة وحسن الصحبة. وهو من الأحلام التي يغلب عليها الهدوء.
المسجد في الرموز مكان الطمأنينة والاجتماع على الخير، تتقارب فيه القلوب ويلتقي فيه الجيران. والقهوة فيه ترمز إلى الضيافة التي يتبادلها أهل الحي بعد الصلاة أو في مناسبة طيبة. وهي دلالة على الألفة وعلى مجالس الأخوّة التي يسودها الاحترام. وفي مرارتها معنى الصبر والقناعة، وفي رائحتها ما يوحي بالأنس. فالمعنى هنا يدور حول الصحبة الطيبة والسكينة.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في المساجد وما يُرى فيها، وفيه أن حال الرائي وما يفعله فيها هو مدار التأويل، ولا يصح أن نقول إنهم نصّوا على القهوة، فقد شاعت في قرون متأخرة. ولهذا فإن ما يُقال اليوم أكثره قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن الجلوس في المسجد في المنام يدل على خير وصحبة صالحة، واختلف آخرون في الجزئيات. ولذلك لا نجزم بشيء وإنما نقدّم قراءة عامة.
ويتغير المعنى بتغير السياق، فإن كان المجلس هادئًا والقهوة في فناء المسجد مع جماعة طيبة فهو أقرب إلى الألفة. وإن كان الرائي يقدّم القهوة لغيره فقد يدل على روح الخدمة وحب الخير. وإن كان وحيدًا فقد يدل على خلوة وتأمل. وينبغي أن يلاحظ الرائي أدب المكان في الحلم، فاحترام المسجد وطهارته أصل في الواقع، ولذلك فالمعنى في الرؤيا يغلب عليه الجانب الرمزي للضيافة والألفة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على صحبة صالحة تثبّتها وعلى طمأنينة في قلبها. وللمرأة المتزوجة قد تدل على رغبتها في سكينة بيتها واجتماع أسرتها على الخير. وللرجل قد تدل على علاقته بجيرانه وجماعة مسجده وعلى رغبته في الإصلاح بين الناس، وللتاجر قد تدل على علاقات طيبة وسمعة حسنة. وللحامل قد تدل على حاجتها إلى السكينة. وكلها قراءات عامة غير ملزمة.
ومن الفروق الدقيقة وقت الحلم، فالفجر يدل على بداية صافية، والمساء على ختام هادئ. ومنها وجود إمام أو شيخ أو جار طيب في المجلس، ومنها نظافة المكان وإضاءته. ومنها نوع الضيافة المصاحبة كالتمر والماء. ومنها شعور الرائي بالراحة أو بالانقباض، وهو أقوى القرائن على الاتجاه الإيجابي أو الحاجة إلى التأمل.
ومن الناحية النفسية قد يعبر الحلم عن حاجة الإنسان إلى السكينة والانتماء إلى جماعة صالحة، وهي حاجة يشعر بها كثيرون في عصر السرعة. وقد يظهر عند من ابتعد عن أجواء الجماعة ويحن إليها. وينفع أن يخصص المرء وقتًا لزيارة مسجد الحي وللجلوس مع أهل الخير والاستماع إلى ما ينفع.
ولا يخفى أن للمسجد آدابًا ينبغي مراعاتها، كالنظافة وخفض الصوت واحترام المصلين وعدم الانشغال بما يشوّش عليهم. ومن حافظ على ذلك أنس بالمكان ونال بركته. وقد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بحق المسجد وبحسن الخلق مع رواده.
ولا بأس أن يستثمر المرء هذا النوع من الرؤى في تقوية صلته بجيرانه والاطمئنان على أحوالهم، فالمجتمع المتراحم من أعظم أسباب الراحة. وفي ذلك أثر طيب أعمق من كل تأويل يمر بالخاطر.
وقد يلاحظ الرائي أن الجو العام للمكان في المنام أبلغ في الدلالة من تفاصيل الفنجان نفسه، فالسكينة التي تغمر الجالسين والنور الهادئ الذي يملأ المكان يوحيان بانشراح الصدر، بينما الازدحام والضجيج قد يعبران عن انشغال القلب. ويرى بعض المفسرين المتأخرين أن حضور الضيافة في أماكن العبادة في الأحلام يدل على كرم النفس وسعة الصدر، لكنه قول تقريبي. ويكفي الرائي أن يأخذ منه دعوة إلى حسن الجوار والمشاركة في الأعمال الطيبة.
ويحسن كذلك أن يتذكر أن قيمة المجالس في سلامتها من اللغو وكثرة الكلام، وأن أجمل ما يُقال فيها ما ينفع الناس أو يذكّرهم بالخير. فمن اعتاد مثل هذه المجالس صفا قلبه وطابت أخلاقه.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لأي قرار حقيقي في الدين أو الدنيا. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يعمر قلوبنا وبيوتنا بالطاعة والسكينة.
