قد يرى الحالم أن القهوة في إبريق أو دلة أو ركوة، تغلي على نار هادئة أو تُصب منه في الفناجين أو يحمله بيده ويدور به على الحاضرين. وهذه صورة قديمة مرتبطة بالمجالس والبيوت العامرة، وكثير ممن نشأوا في بيئات تعتز بها يرونها في أحلامهم كذكرى دافئة. وقد يراها غيرهم من باب الفضول. وعلى كل حال فهي صورة رمزية يتأملها المرء بخفة وهدوء، والتفسير فيها ظني لا يُقطع به ولا يُنتظر منه وقوع أمر معين.
القهوة تحمل معاني الضيافة والكرم، واليقظة والاجتهاد، والمجالس ومودتها، والمرارة التي يُنتفع بها. والإبريق هو مصدر هذه المعاني، فمنه تخرج القهوة إلى الجميع، وفيه تنضج على مهل وتنتظر اللحظة المناسبة. ولذلك قد يرمز الحلم إلى حالة من الإعداد والتجهيز، أو إلى مصدر عطاء يتهيأ للعطاء، أو إلى مجلس قادم يُحضَّر له. وقد يرمز كذلك إلى أمر لا يزال على النار لم ينضج بعد، فيحتاج إلى صبر وانتظار.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الإناء الذي يغلي فيه الشراب على النار في المنام قد يدل على همة وسعي وانتظار نتيجة، وأن الإناء الذي يُصب منه يدل على عطاء وبذل، وهي أقوال تُنقل في إطار الاحتمال. ولا بد من الإفصاح بأن القهوة لم تكن معروفة في عهد أوائل المعبرين، فلا توجد لها ولا لأوانيها أبواب عندهم، وما يُقال فهو قياس المتأخرين وتقديرهم. وقد اختلفوا في ذلك، فلا يُحمل قول منها على القطع.
ويتغير المعنى بتغير حال الإبريق. فإن كان يغلي بهدوء وتفوح منه رائحة طيبة، فهو أقرب إلى معنى تحضير جميل وإعداد حسن لمناسبة قريبة. وإن كان يفور ويفيض على النار، فقد يشير إلى أمر ثار وتجاوز حده، فيحتاج إلى تخفيف الحرارة. وإن كان باردًا فارغًا، فقد يعبّر عن استعداد لم يبدأ بعد. وإن كان الرائي هو من يصب للناس، فالدلالة على العطاء والكرم. وإن كان غيره يصب له، فالدلالة على تلقي الإكرام.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى تأهب لمرحلة جديدة أو تحضير لمناسبة تخصها، أو إلى انتظار نضج أمر تأمله. ويحسن بها أن تبقى هادئة وألا تستعجل. وللمرأة المتزوجة، قد يرتبط بتجهيز ضيافة أو بجو أسري دافئ أو بدورها في جمع الأهل، أو بما تقوم به من عطاء صامت في بيتها. وهذه قراءات تقريبية قد تتغير من حال إلى حال.
وللرجل، قد يُقرأ الإبريق على أنه رمز لدوره في استضافة الناس أو في إصلاح ذات البين أو في إعداد مشروع، وربما يشير إلى مجلس رجال يُهيّأ له. وللتاجر، قد يدل على مشروع يُحضَّر على نار هادئة أو على مصدر دخل يمد غيره، ولكن لا يُعتمد على ذلك في الواقع دون دراسة. وللحامل، قد تتجلى فكرة التحضير والانتظار في صورة إبريق على النار، فهي تعبير مألوف عن ترقب وعناية.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم: نوع الإبريق وشكله، فالدلة العربية بمنقارها الطويل توحي بالأصالة والتقاليد، والإبريق النحاسي يوحي بالمتانة والصنعة، والركوة الصغيرة توحي بالتأني والخصوصية. وهل كانت النار هادئة أم شديدة؟ فالهادئة تدل على صبر والشديدة على استعجال. وهل رأى الرائي البخار؟ فالبخار يدل على نضج قريب. وهل كان الصبّ متقنًا لا يُسكب منه شيء؟ فذلك يدل على حسن تدبير وأدب في العطاء.
وفي الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن شعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، وعن رغبة في أن يكون الإنسان مصدر دفء لمن حوله. وهو دعوة إلى أن نحرص على ألا نفيض من أنفسنا حتى تنفد، فمن يسقي غيره يحتاج أن يملأ نفسه. وفي هذا معنى دقيق للتوازن بين العطاء والراحة، وبين خدمة الناس والعناية بالنفس. ولعل أحسن ما يخرج به الرائي أن يمنح نفسه فنجانًا هادئًا قبل أن يخدم غيره.
ومن اللطائف أن عملية إعداد القهوة على النار تحتاج إلى مراقبة، فمن غفل عنها فارت وفاضت. وهذا يشبه كثيرًا من أمور الحياة التي تحتاج إلى حضور وانتباه. فإذا رأى الرائي إبريقه في المنام، فربما كان في ذلك تذكير لطيف بأن يتفقد ما يطبخه في حياته على نار هادئة: مشروعًا أو علاقة أو نية، لا بوصفه نبوءة، وإنما بوصفه خاطرة تدعو إلى العناية.
وبعد ذلك فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في المال أو الأسرة أو العمل. والأولى أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله. وعلم الغيب عند الله وحده، فلا يطلع عليه حالم ولا مفسر.
