من الأحلام التي تتكرر عند الطلاب والعاملين وأصحاب الهموم أن يروا أنفسهم يشربون القهوة وهم ساهرون، سواء كان السهر للمذاكرة أو للعمل أو للأنس مع الأحباب. وهذا المشهد من أكثر المشاهد قربًا من الواقع، لذلك كثيرًا ما يكون صدى لما يعيشه النائم في يقظته من انشغال وتعب. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني أن الأمر سيقع كما رُئي. ونحن نقرؤه هنا قراءة هادئة تُبرز معاني الجد والصبر والمثابرة مع الانتباه إلى حق الجسد في الراحة. ولا حاجة إلى التهويل في أي اتجاه.
السهر في عالم الرموز عنوان للاجتهاد والتحمل وطلب المعالي، كما قد يكون عنوانًا للقلق والانتظار والتفكير الطويل. والقهوة رفيقة السهارى في ثقافات كثيرة، فهي رمز للتنبه والمثابرة ومقاومة الكسل. وهي تحمل كذلك معنى المؤانسة حين يجتمع الأصدقاء على حديث ممتع طويل. وفي مرارتها تذكير بأن الثمرة الحلوة كثيرًا ما تأتي بعد تعب. وهكذا يجتمع في الحلم معنى الجهد والصحبة والترقب.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في السهر وفي ما يشبهه من اليقظة في الليل، ولا يصح أن نقول إنهم فسروا القهوة بنصوص صريحة. فقد اشتهرت القهوة في قرون لاحقة ولم يتعرض لها أصحاب أقدم كتب التعبير إلا قليلًا، وأكثر ما يُقال اليوم قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن السهر المحمود يدل على همة وطلب مقصود يُنال بالصبر، وذهب آخرون إلى أن الإفراط فيه يدل على إرهاق. واختلف المفسرون في ذلك ولم يتفقوا على قول فصل، فكل ما نذكره يظل تقريبيًا.
وللسياق أثر كبير، فالقهوة المعتدلة التي تُشرب في سهر منتج مع شعور بالنشاط توحي بأن الجهد مثمر. أما إذا كان الفنجان بعد فنجان بلا فائدة والنعاس غالب فقد يدل ذلك على إجهاد أو تشتت. وإن كان السهر مع أصدقاء يضحكون ويتحدثون فالمعنى أقرب إلى الأنس وتوطيد المودة، وإن كان وحيدًا أمام كتب أو أوراق فهو أقرب إلى الاجتهاد. ويلاحظ كذلك هل انتهى السهر بنجاح أو بتعب فقط.
وللطالب أو الطالبة قد يرمز المشهد إلى قلق الامتحانات ورغبة في بذل أقصى الجهد، وينفع أن يتذكر الطالب أن النوم الكافي جزء من النجاح. وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط بانشغالها بمستقبلها وتطلعها، وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بسهرها على أسرتها. وللرجل قد يرمز إلى عمل إضافي أو مسؤولية ثقيلة، وللتاجر قد يشير إلى حسابات ومراجعات. وللحامل قد تدل على قلة نوم وحاجة ماسة إلى الراحة.
ومن الدقائق التي تحسن التفسير نوع الأضواء، فمصباح المكتب يدل على تركيز، وضوء الشاشة قد يدل على انشغال مفرط بالعالم الرقمي. ومنها وجود الكتب أو الأوراق أو الأحاديث إلى جوار الفنجان، فلكل منها إيحاء. ومنها وقت الفجر إن اقترب في الحلم، فاقتراب الفجر يوحي بقرب انفراج الهم وانتهاء المشقة. وإن شعر الرائي بالدوار أو الخفقان فقد يكون ذلك إشارة جسدية قبل أن تكون رمزية.
ومن الناحية النفسية فإن هذا الحلم كثيرًا ما يظهر حين يكون الإنسان في دائرة من الضغوط والمواعيد النهائية، فيحاول عقله أن يرتب مشاعره من خلال صورة مألوفة. والقهوة هنا قد تكون رمزًا لما يستعين به المرء على تحمل الإرهاق. وينفع صاحب الرؤيا أن يراجع جدول نومه، وأن يخفف من المنبهات، وأن يقسم عمله إلى مراحل، فبذلك يخف الشعور بالثقل. والهدوء والتنظيم أفضل من السهر المتواصل.
ومن الحكمة أن يجعل الإنسان لنفسه حدًا بين الجد والراحة، فلجسده عليه حق ولأهله عليه حق ولربه عليه حق. ولا بأس أن يختم سهره بدعاء وذكر وأن يضع رأسه مطمئنًا. ومن اعتدل في سعيه جمع بين الإنجاز والعافية. وهذا المعنى العملي أنفع من البحث عن مدلولات دقيقة لكل صورة تمر في المنام.
وقد ينتفع الساهرون بتذكر أن البركة في الوقت أحيانًا أعظم من كثرته، فساعة صافية مع هدوء القلب قد تغني عن ساعات متعبة. ويحسن أن يبتعد المرء عن الإسراف في المشروبات المنبهة، وأن يشرب الماء، وأن يمشي قليلًا. فهذه عادات بسيطة تحفظ العافية وتعين على الاستمرار. ويبقى الحلم تذكيرًا لطيفًا بذلك أكثر من كونه حكمًا على أمر.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في الدراسة أو العمل أو المال. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب التوفيق في سعيه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يبارك في جهد كل مجتهد وأن يرزقه راحة البال.
