رؤية صنع القهوة في المنام من الرؤى التي تحمل معنى العمل والاستعداد، فالحالم فيها ليس متلقياً بل صانع. قد يرى نفسه يضع الماء في الدلة ويراقب غليانها، أو يخلط القهوة بالهيل، أو يعدّ فنجاناً لضيف قادم. وكثيراً ما تأتي هذه الرؤيا لمن يهيّئون لأمر في حياتهم أو يتحمّلون مسؤولية الضيافة. وكما في سائر الأحلام فإن قراءتها رمزية لا حرفية، وتبقى ظنية.
الإعداد في الرمز العام يدل على التخطيط والتحضير ثم الانتظار حتى ينضج الأمر. وصنع القهوة بالذات يحتاج إلى أدوات ووقت وانتباه، فلا يُترك على النار دون مراقبة. ولذلك قد تدل الرؤيا على مشروع أو علاقة أو عمل يعدّه الحالم بعناية. وفيها كذلك معنى الخدمة والإكرام، فمن يصنع القهوة لغيره يُظهر عنايته به. وفيها معنى الصبر، لأن القهوة الجيدة تُعدّ على مهل. فاجتمع فيها التخطيط والخدمة والصبر.
ونُسب إلى ابن سيرين في أصل ما يُروى عنه في الطبخ وإعداد الأطعمة والأشربة أن من أعدّ طعاماً أو شراباً لغيره فقد يتولى أمراً فيه نفع لهم، وأن إتقانه يدل على حسن القيام بما يتولاه. وذهب بعض المفسرين إلى أن النار تحت القِدر أو الإناء تدل على سعي وجهد وحرارة في العمل. ولا بد أن نوضح بأن القهوة لم تكن معروفة عند أوائل المعبّرين، وإنما يُقاس عليها من أبواب الطبخ والشراب، وأن المتأخرين اختلفوا في تقدير ذلك. فنأخذ الكلام كاجتهاد لا كنص قديم.
ويتغير المعنى بحسب جودة الصنع. فمن أتقن إعدادها وفاحت رائحتها فالأقرب أن يدل على نجاح وعناية، ومن أخطأ فيها أو احترقت أو فاضت فقد يدل على استعجال أو إهمال يحتاج إلى مراجعة. وإن صنعها لضيوف فهو خدمة وإكرام، وإن صنعها لنفسه فهو عناية بالنفس وترتيب لوقته. وإن أعانه أحد في صنعها فقد يدل على تعاون في أمر مشترك. وإن نقصت أدواته فقد يشير ذلك إلى نقص استعداد.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل رؤية صنع القهوة على استعداد لأمر جديد كخطبة أو دراسة أو عمل، وعلى تهيئة للنفس بصبر. وإن كانت تصنعها لضيوف فقد تدل على مجلس تحسن فيه الاستقبال. وللمرأة المتزوجة قد تدل على عناية ببيتها وأسرتها وتدبير لشؤونها، وإن كانت تصنعها لزوجها فهو من صور الألفة. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها.
وللرجل قد تدل على إعداده لمشروع أو سفر أو مجلس، وعلى قيامه بواجب الضيافة. وللتاجر قد تدل على تجهيز لصفقة بصبر ودقة. وللطالب على مراجعة وتحضير. وإن كان يصنعها في المنام وهو يشعر بالسعادة فذلك من علامات الرضا بعمله.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يكون الماء صافياً والدلة نظيفة فذلك يوحي بحسن النية والترتيب، وأن يكون الغليان هادئاً فذلك يوحي بإتقان. وإن فاضت القهوة فقد ينبّه إلى غضب أو استعجال. وإن نسي الحالم القهوة على النار فقد يدل على إغفال أمر مهم. وإن أضاف الهيل أو الزعفران فقد يرمز إلى لمسة جمال يضيفها إلى عمله.
وأما الجانب النفسي فقد تعبّر الرؤيا عن رغبة في العناية بمن حوله، أو عن إحساس بكثرة المسؤوليات الملقاة عليه. وربما كان الحالم يحضّر في يقظته لزيارة أو مناسبة فانعكس ذلك في منامه. وقد تدل على الحاجة إلى أن يُعتنى به هو أيضاً بعد طول عناية بغيره. وهذا من المعاني الإنسانية الطبيعية.
ومن الفوائد العملية أن ينظر الإنسان فيما يعدّه الآن من أعمال، وأن يتأكد من أنه يمنحها الوقت الكافي دون استعجال. وأن يقدّر من يقدّم له الضيافة والخدمة في يقظته. وأن يوازن بين العطاء والراحة فلا يرهق نفسه. وهكذا يتحول المنام إلى مراجعة لطيفة لسلوك اليوم.
ومن المعاني اللطيفة لهذه الرؤيا أن صنع القهوة يعلّم أن لكل أمر طيب زمناً لا يُستعجل فيه، فالماء يحتاج إلى أن يغلي، والبن يحتاج إلى أن يستوي، والنكهة تحتاج إلى أن تتفتح. فإذا رأى الحالم نفسه يصنعها بهدوء فقد يكون ذلك تذكيراً له بأن يمنح أموره مهلتها الطبيعية. وإذا رآها تُصنع بسرعة وارتباك فقد يكون في ذلك دعوة إلى التمهل والترتيب. وفي كل حال يبقى الأصل أن نتعلم من الصورة ما ينفعنا في سلوكنا دون أن نزعم أنها كشف لغيب.
ويحسن كذلك أن ينظر الحالم إلى من كان يصنع القهوة له في المنام إن لم يكن هو الصانع، فمن أعدّها له بحب فهو من أهل الإحسان إليه، ومن أعدّها بتبرم فقد يدل ذلك على خدمة تُقدَّم عن غير رضا. وإن كان الصانع شخصاً مجهولاً فقد يدل على معونة تأتي من حيث لا يحتسب. وإن كان من أهل بيته فهي المودة والعناية المتبادلة. وهذه التفاصيل تزيد الصورة ثراءً وإن لم تزدها يقيناً.
وختاماً فهذا اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار في مال أو عمل أو سفر. والغيب لا يعلمه إلا الله. فليحسن العبد ظنه بربه، وليدعه بالتوفيق، وليأخذ بالأسباب المشروعة في يقظته.
