السفر والقهوة رفيقان قديمان، فكثير من المسافرين يجعلون لفنجان القهوة موضعًا في رحلتهم، ولذلك تظهر هذه الصورة في المنام عند من يستعد لسفر أو يشتاق إليه أو يعود منه. والتفسير في أصله رمزي لا حرفي، فلا يعني الحلم أن سفرًا سيقع أو لن يقع. ونقرؤه هنا قراءة تُبرز معاني الاستعداد والصبر وحسن الرفقة في الطريق. وليس فيه ما يدعو إلى الانزعاج. وهو في الغالب انعكاس لانشغال الذهن بحركة الانتقال.
السفر في الرموز انتقال من حال إلى حال، وقد يكون حقيقيًا أو معنويًا يتعلق بمرحلة جديدة في الحياة. والقهوة فيه ترمز إلى اليقظة والتأهب وإلى لحظات الراحة القصيرة التي تتخلل الطريق. وهي رمز للصحبة الطيبة بين المسافرين، فالمجلس في استراحة الطريق من أمتع المجالس. وفي مرارتها دلالة على أن الطريق قد لا يخلو من مشقة تُحتمل. فالمعنى هنا يدور حول التأهب والتحمل والأنس.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في السفر وفي الأشربة، ولا يصح أن نقول إنهم تناولوا القهوة بنص صريح، فقد انتشرت في عصور لاحقة. ولذلك فأقدم كتب التعبير تقل فيها الإشارة إليها، وما يُقال اليوم قياس واجتهاد من مفسرين متأخرين. وذهب بعضهم إلى أن السفر في المنام قد يدل على تغيير حال وسعي في طلب أمر، وإن القهوة فيه قرينة صبر ويقظة. واختلف المفسرون في تفاصيل ذلك فلا ينبغي الجزم.
ويتغير المعنى بتغير السياق، فالقهوة الساخنة في استراحة على الطريق مع هواء نقي توحي بالسلامة والراحة، والقهوة الباردة أو المنسكبة قد توحي بتأخر أو إرباك. وإن كانت القهوة في كوب يُحمل أثناء المشي فقد يدل على سرعة وانشغال، وإن كانت في جلسة هادئة فقد يدل على تأمل في الرحلة. ومن يرافق الرائي في الطريق وطبيعة المكان تضيف دلالة، فالرفقة الطيبة نعمة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبر الرؤيا عن رغبتها في الانتقال لدراسة أو عمل أو عن تطلع إلى تجربة جديدة. وللمرأة المتزوجة قد تدل على ترتيبات سفر الأسرة وعنائه. وللرجل قد تدل على التزامات الأسفار وحسن إدارة الوقت، وللتاجر قد ترتبط برحلات تجارية وبحث عن فرص. وللحامل قد تدل على حاجتها إلى الراحة والحذر من الإرهاق في الأسفار. وكلها قراءات عامة.
ومن الفروق الدقيقة وسيلة السفر، فالسيارة تعطي إيحاء بالاستقلال، والقطار بالانتظام، والطائرة بالسرعة. ومنها ما يُشرب فيه القهوة، فالمقصف أو الاستراحة أو الخيمة. ومنها هل كان الرائي ذاهبًا أم عائدًا، فالذاهب يحمل ترقبًا والعائد يحمل راحة. ومنها وجود أمتعة أو حقيبة بجانبه، فهي ترمز إلى ما يحمله من مسؤوليات.
ومن الناحية النفسية قد يعبر الحلم عن رغبة في كسر الروتين أو قلق من الانتقال إلى الجديد. وقد يكون مجرد انعكاس لتخطيط رحلة قريبة. وينفع أن يكتب المرء قائمة أغراضه وأن ينظم وقته وأن يترك لنفسه فسحة راحة. فالسفر المنظم أخف على الجسد والروح من السفر المرتجل.
وللمسافر آداب تحفظ عليه صحته ودينه، كالدعاء عند الخروج وحسن الصحبة والنظافة والاعتدال في الأكل والشرب والحذر من الإسراف في المنبهات. ومن أحسن في سفره سلم وغنم. ولعل من حسن الفأل أن يتذكر المرء بالحلم فضل الاستعداد والتخطيط، وأن يتعلم من كل رحلة ما يزيده حكمة.
ومن الحكمة كذلك أن يقدّر المسافر وقت الأهل ويطمئنهم، وأن يترك لهم رقمًا للتواصل. وأن يحفظ أمانته في ماله وأوراقه. فهذه الأمور تجلب الطمأنينة. وهي أنفع من تفسير الصور في المنام.
وإذا كان الرائي في الحلم ينتظر قطارًا أو حافلة وهو يشرب قهوته فقد يعبر ذلك عن مرحلة انتظار في حياته، كانتظار جواب أو فرصة أو قرار. وقد يرى بعض المفسرين المتأخرين أن حضور القهوة في وقت الانتظار قرينة على الصبر الجميل وعلى أن الأمر قد يتأخر لكنه لا يضيع. أما إن كان يسرع ويخشى فوات الموعد والفنجان في يده فقد تكون الصورة تعبيرًا عن قلق من التأخر عن هدف ما. وفي الحالين ينفع أن يتذكر الإنسان أن لكل أمر أجلًا، وأن الاطمئنان إلى تدبير الله يخفف ثقل الانتظار، وأن حسن التخطيط أولى بالاهتمام من تأويل المشاهد.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في السفر أو تأجيله أو إلغائه. فالأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب السلامة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. نسأل الله أن يحفظ المسافرين وأن يردّهم سالمين.
