رؤية قراءة فنجان القهوة في المنام صورة شاعت بين الناس عبر الأسمار والمسلسلات والمجالس، فيرى الحالم نفسه يقلب الفنجان على صحنه وينتظر، أو يرى امرأة تتأمل رسوم الراسب في قاعه، أو يرى من يتحدث عن علامات وأشكال. وقد يستيقظ وفي نفسه فضول أو قلق. ولا بد من تحديد الموقف من البداية، فهذه الرؤيا تُعامل بوصفها صورة منامية لا أكثر، أما ادعاء معرفة الغيب من الفنجان في اليقظة فلا أصل له، ولا نشجع عليه، ولا نعدّه طريقاً إلى علم المستقبل.
الفنجان المقلوب في الرمز العام يدل على الفضول والتطلع إلى المجهول والرغبة في الاطمئنان على المستقبل. وهذه رغبة إنسانية مفهومة، فكل إنسان يخاف من الغد ويتمنى أن يعرفه. لكن الصورة المنامية هنا لا تحمل خبراً، وإنما تعكس ما في النفس من تشوف وحيرة. وقد تدل على حاجة إلى الطمأنينة، أو على حديث مع من يتحدث عن أمور مستقبلية. وفيها كذلك معنى الاجتماع النسائي والأسمار والضحك والتسلية. فمعناها الفضول والتشوف والأنس.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الكهانة والعرافة، بحسب ما يُروى عنه، أن رؤية من يخبر عن الغيب تدل على كذب وتضليل وقلة صدق، وأنها تنبه إلى الحذر ممن يدّعي علماً لا يملكه. وذهب بعض المفسرين المتأخرين إلى أن رؤية قراءة الفنجان تدل على الاهتمام بالغيب وحديث الناس عن المستقبل. وأصارح القارئ بأن القهوة لم تكن معروفة عند أوائل المعبّرين، فلا نص على قراءة فنجانها بعينه، وإنما يُقاس على أبواب العرافة والتنجيم، وقد اختلف المتأخرون في التطبيق. فنعدّ ما يُنقل اجتهاداً لا حكماً.
ويتغير المعنى بتغير حال القارئ والحالم. فإن كان الحالم يشاهد الأمر على سبيل الفضول وهو مطمئن فالأقرب أنها صورة اجتماعية عابرة، وإن كان قلقاً من نتيجة فقد تعكس رغبته في معرفة المستقبل. وإن كان القارئ شخصاً مألوفاً فهي مجالسة، وإن كان مجهولاً فهي تنبيه من الاستماع لمن لا يُعرف. وإن كان في الصورة تخويف فقد تدل على وساوس، وإن كان فيها بشرى فقد تدل على أمنية. وفي كل ذلك لا يُستخلص خبر عن الغيب.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على تشوف إلى المستقبل وإلى نصيبها، وعلى قلق مفهوم من الغد. ومن المناسب أن تطمئن نفسها بالدعاء والتوكل وبحسن الظن بالله، وألا تبحث عن اطمئنان في كلام من يدّعي معرفة المجهول. وللمرأة المتزوجة قد تدل على تعلق بأحاديث الأسمار، أو قلق على أسرتها. وكل ذلك قراءة نفسية لا خبر غيبي.
وللرجل قد تدل على اهتمام بما يقوله الناس عن المستقبل أو على قلق من أمر قادم. وللتاجر قد تدل على تعلق بتوقعات السوق، ويحسن به أن يعتمد على الدراسة والمعطيات لا على أقوال المخمنين. وللطالب قد تدل على قلق من نتيجة امتحان. ولا بد من التأكيد على أن حبوب القهوة وراسبها لا تكشف شيئاً من الغيب الذي اختص الله بعلمه.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يكون الفنجان مقلوباً على صحن، فهو انتظار وترقب، وأن تكون الرسوم في قاعه غامضة، فهي رمز لغموض المستقبل في نفس صاحبه. وإن كان القارئ يبتسم فهو أنس، وإن كان يتجهم فهو توتر يعكس قلقاً. وإن اختلف قارئان في تفسير شيء واحد في المنام فهذا دليل على أن الأمر وهم لا علم. وإن غسل الحالم الفنجان وأنهى الأمر فهو طي لهذا القلق. وهذه التفاصيل كلها تحتمل أكثر من قراءة.
وهناك معنى لطيف آخر، فالإنسان في حقيقته يجد راحة في الحديث عن مخاوفه ورغباته، ولذلك تحوّلت قراءة الفنجان عند كثيرين إلى جلسة أنس وبوح أكثر منها طلب علم. فقد تكون الرؤيا إشارة إلى حاجة الحالم إلى من يستمع إليه ويواسيه. وهذه حاجة مشروعة تُلبّى بصديق صادق أو بأهل أو بمختص. ولا تُلبّى بادعاء علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله.
وأما الجانب النفسي فقد تعبّر الرؤيا عن قلق من المستقبل، أو رغبة في كسب الطمأنينة، أو أثر من مشاهدة برنامج أو مسلسل أو حديث في مجلس. وقد يراها من ينتظر قراراً أو نتيجة. وهي في هذه الحال صدى للقلق لا نبوءة. فلنتعامل معها بما يهدّئ النفس: ذكر ودعاء وحسن ظن بالله.
ومن الفوائد العملية أن يعالج الإنسان قلقه بأسباب حقيقية، كالتخطيط والتشاور والعمل، وأن يلجأ إلى الله بالدعاء والاستخارة المعروفة في الشرع بدل البحث عن علامات. وأن يتجنب تصديق من يدّعي معرفة الغيب، فإن ذلك باب ضلال. وأن يشغل نفسه بما ينفعه من عمل وعلم. وبذلك يتحول القلق إلى همة.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي، وتبقى قراءة الفنجان وأمثالها في اليقظة غير قادرة على كشف المستقبل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا فنجان ولا راسب ولا منام يطلع عليه. فليكثر المرء من الدعاء وحسن الظن بربه، وليأخذ بالأسباب المشروعة.
