من الأحلام الغريبة أن يرى الإنسان نفسه يبحث عن القهوة: يدخل المحلات ويفتش الأدراج، يسأل الناس أين يجدها، أو يتجول في الطرقات يتتبع رائحتها فلا يصل إليها. وقد يكون البحث في الحلم عاجلًا مضطربًا وقد يكون هادئًا متأملًا. وهذا النمط من الأحلام شائع بين من يعتادون القهوة صباحًا، وقد يرجع إلى تأخر في النوم أو إلى حاجة مؤقتة. وكالعادة فهو رمزي ظني، لا يعني أن الرائي سيفتقد شيئًا في الحقيقة، وإنما هو صورة تُتأمَّل.
حين نتأمل ما ترمز إليه القهوة، نجد الضيافة والأنس، واليقظة والنشاط، والمجالس التي تجمع القلوب، والمرارة التي يُحتمل مثلها طلبًا لخير. فالبحث عنها في الحلم يوحي بأن الرائي يطلب شيئًا من هذه المعاني: قد يطلب صحبة تؤنسه، أو يطلب دفعة تعينه على مهمة، أو يطلب سكينة يتوق إليها في لحظة تعب. فالبحث أهم من الفنجان نفسه، لأنه يعبّر عن توجه النفس.
نُسب إلى بعض المعبرين الأقدمين أن الطلب والبحث في المنام يدل على سعي في تحصيل أمر ما، وأن الوصول إلى المطلوب بشارة بنجاح السعي، وأن عدمه قد يشير إلى تأخر أو إلى حاجة للصبر، وهو معنى عام يُنقل على سبيل الاحتمال. ولا بد من الصراحة بأن القهوة لم تدخل ثقافة المسلمين إلا بعد قرون من عصر أوائل المعبرين، فلا يوجد عندهم ذكر لها، وإنما يلحقها المتأخرون بهذا الأصل العام قياسًا. وقد اختلف المفسرون في تفاصيله، فلا يُجزم بقول منها.
ويتغير المعنى بتغير نتيجة البحث وسياقه. فإن وجد الرائي القهوة بعد جهد قصير، فقد يُفهم من ذلك أن مطلبه قريب ميسور. وإن طال بحثه ولم يجدها، فقد يعبّر عن صبر مطلوب أو عن توقع لا يوافق الواقع. وإن وجدها عند أحد قريب أو صديق، فقد يدل ذلك على عون يأتي من الأحباب. وإن وجد مكانها فارغًا، فقد يعبّر عن حاجة إلى مراجعة ما يطلب وهل هو في موضعه الصحيح.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز الحلم إلى بحثها عن رفقة صادقة أو عن مجال يليق بها أو عن إجابة لسؤال يشغلها، ولا يجوز أن يُفهم منه تحديد شخص بعينه. وللمرأة المتزوجة، قد يعبّر عن حاجتها إلى لحظة هدوء أو معونة في أعباء البيت، أو عن شوق إلى مجلس أهلها. وهذه قراءات عامة قد تصيب وقد تخطئ.
وللرجل، قد يدل على بحث عن فرصة عمل أو عن حافز يعيد إليه نشاطه، أو عن رفقة تعينه على جد الحياة. وللتاجر، قد يرمز إلى بحثه عن مورد أو سوق أو صفقة تناسبه، وهو بحث مشروع في اليقظة يحتاج إلى معلومات واقعية لا إلى منام. وللحامل، قد يعكس شوقًا لشيء مألوف غاب عنها بسبب تغير عاداتها أثناء الحمل، وهو حنين طبيعي لا أكثر.
ومن التفاصيل التي تُصقل بها القراءة: هل بحث وحده أم مع أحد؟ فمن بحث مع أحد كان الأمر أقرب إلى مشروع مشترك أو دعم من الأصحاب. وهل كان مرتبكًا أم متأنيًا؟ فالارتباك يعبّر عن قلق، والتأني يعبّر عن ثقة. وهل ظل يسمع صوتًا أو يشم رائحة تدله؟ فذلك إشارة إلى أن ثمة مؤشرات في حياته يمكنه أن يتبعها بهدوء. وكل ذلك يظل ظنيًا.
وفي الجانب النفسي، يعبّر الحلم أحيانًا عن حاجة إلى نشاط وراحة وطمأنينة، وعن شعور بأن شيئًا ما ينقص يومه. وهو دعوة إلى سؤال بسيط: ماذا أحتاج الآن حقًا؟ هل هو نوم أطول، أم جلسة مع صديق، أم عمل أخف؟ فإن عرف الإنسان حاجته عالجها بالعمل لا بالانتظار. وقد يكفي أحيانًا أن يخصص وقتًا لشيء صغير يحبه.
ولا ينبغي أن يتحول الحلم إلى سبب للانزعاج أو للتشاؤم من أن مطلوبًا ما لن يتحقق، فالأحلام لا تحدد مصائر. ومن الحكمة أن يسعى الإنسان في طلب حاجاته بالوسائل المشروعة وأن يتوكل على الله فيما لا يملكه. وليس من شرط الراحة أن نجد ما نبحث عنه فورًا، فالصبر والتأني من أسباب الطمأنينة.
ومن اللطائف أن البحث في الأحلام كثيرًا ما يكون أطول من المشهد الذي ينتهي إليه، فنستيقظ ونحن في منتصف الطريق. وهذا يذكّرنا بأن ما نطلبه في اليقظة قد لا يحتاج إلى نتيجة فورية ليكون ذا قيمة، فللسعي نفسه أجر وللتأني فيه بركة. وقد يستفيد الرائي من الحلم بأن يكتب قائمة قصيرة بما يريده فعلًا هذا الأسبوع، وبمن يود أن يزوره أو يتصل به، فيحوّل صورة البحث الغامضة إلى خطوات صغيرة واضحة تُدخل السكينة على قلبه وتقرّبه مما يريد.
وبعد ذلك كله فهو اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أن يُتخذ سندًا لقرار في العمل أو المال أو الزواج. والمطلوب أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب الخير منه. وعلم ما يأتي به الغد عند الله وحده، لا يطلع عليه أحد.
