يتساءل كثير من المرضى عن معنى ما يرونه في منامهم، وتأتي القهوة بين الرموز المألوفة التي قد تظهر لهم وسط أيام الراحة والعلاج. والأصل أن نذكّر بأن التفسير رمزي وليس حرفيًا، وأن الرؤيا قد تكون من حديث النفس وتأثير الأيام الثقيلة التي يعيشها المريض. وليس في هذه الصورة ما يدعو إلى القلق، بل يميل أكثر من يتناولونها إلى قراءة معانيها اللطيفة. ونحن هنا نقدم قراءة هادئة مواسية، تأخذ في الحسبان أن المرض ابتلاء قد يكون فيه خير كثير.
القهوة رمز مشهور للضيافة والكرم والمجالس الطيبة التي يجتمع فيها الأحبة ويتبادلون الود. وهي رمز كذلك لليقظة والنشاط، فالناس يشربونها طلبًا لصفاء الذهن وانتعاش الجسد، ولذلك رأى بعضهم في ظهورها للمريض إشارة إلى استعادة القوة شيئًا فشيئًا. وفي مرارتها معنى حكيم، إذ قد تعقب الشدةَ فائدةٌ وصبرٌ جميل. وهي أيضًا رمز لوقت الانتظار الذي يقضيه الإنسان في الترقب والتأمل.
نُسب إلى ابن سيرين وغيره من المعبرين القدماء كلام عام في الأشربة والضيافة، ولا يصح أن نقول إنهم فسروا القهوة بعينها بنصوص صريحة. فقد انتشرت القهوة في القرون المتأخرة، ولذلك قلّ ذكرها في أقدم كتب التعبير، وأغلب ما يُقال اليوم قياس على نظائرها واجتهاد من مفسرين جاؤوا بعدهم. وذهب بعض المفسرين المتأخرين إلى أن القهوة الدافئة المستساغة تدل على نشاط وإقبال وتحسن في الحال، وذهب آخرون إلى أن المرارة الشديدة قد تدل على تعب عابر. واختلاف أهل العلم في هذه الأمور واسع، فلا نحسم فيها بقول.
والسياق يغير المعنى كثيرًا، فالقهوة الدافئة العطرة تشير إلى ارتياح وقبول، أما الباردة أو المحروقة فقد تشير إلى فتور أو تعجل. والكمية لها أثر، فالفنجان الصغير يدل على خير يسير متدرج، وكثرة الفناجين قد تدل على كثرة الزائرين والمحبين. وإذا قدمها شخص عزيز عليه فقد يكون ذلك رمزًا لعناية الأهل به وسؤال الأحباب عنه. وإذا شربها في سريره بهدوء فالأقرب أنها صورة من صور الراحة والسكينة.
وإذا كان الرائي رجلًا مريضًا فقد يُقرأ حلمه على أنه حاجة إلى استعادة النشاط والعودة إلى عمله وأهله بعد فترة انقطاع. وإذا كان تاجرًا فقد يعبر ذلك عن شوقه إلى مزاولة مهنته وانشغاله بأمور رزقه بعد أن أبعده المرض عنها. وإذا كانت امرأة متزوجة فقد يرمز إلى اهتمامها ببيتها وقلقها على أسرتها أثناء مرضها، وإلى رغبتها في الاطمئنان عليهم. وإذا كانت حاملًا فقد تكون الرؤيا من حاجتها إلى الراحة والدعم، ويُنصح لها حينئذ بالاهتمام بصحتها واتباع نصائح الطبيب.
ومن التفاصيل الدقيقة التي قد تحسن التفسير الإحساس الذي صاحب الحلم، فإن كان الفنجان لذيذًا وفي القلب راحة فالمعنى أميل إلى الاطمئنان. وإن كان فيه مرارة لا تُحتمل فقد تكون إشارة إلى ضيق مؤقت أو مخاوف تحتاج إلى مواساة. وسكب القهوة قد يُقرأ على أنه تعب عابر أو رغبة في التخلص من أمر يُثقل النفس. ومن يشاركه في الشرب له دلالة، فالقريب الحبيب يدل على مؤازرة، والغريب يدل على تعارف جديد مع مقدمي الرعاية.
والجانب النفسي حاضر هنا بقوة، فالمريض الذي يقضي أيامه محدود الحركة يشتاق إلى طقوس الحياة اليومية البسيطة ومنها فنجان القهوة مع الأهل. وقد يكون الحلم تعبيرًا عن اشتياقه إلى الحياة الطبيعية والأنس والأصدقاء. وينفع في هذه الحال أن يلتزم بتعليمات الأطباء ويشرب ما يناسب حالته الصحية، وأن يحيط نفسه بالكلمة الطيبة والزيارات المريحة. ولا بأس بأن يشاركه الأهل شيئًا من اللمة الدافئة بما لا يضر صحته.
وليعلم المريض أن الصبر والرضا والدعاء من أعظم ما يعين الإنسان في أيام الابتلاء، وأن الرؤيا لا ينبغي أن تكون سببًا لأمل زائد ولا لخوف زائد. والأخذ بالأسباب من العلاج والراحة والتغذية الجيدة أولى من الاعتماد على الأحلام. وإذا كان في النفس قلق فالتحدث مع الأحبة والمختصين خير من الانشغال بتأويل الرؤى. ونسأل الله له الشفاء العاجل والعافية الكاملة.
وفي الختام نقول إن كل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في العلاج أو غيره من أمور الحياة. فالأولى أن يقابل المريض رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وطلب الشفاء منه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أرحم بعباده من أنفسهم. نسأل الله أن يمنّ على كل مريض بالشفاء والعافية، وأن يجعل ما أصابه رفعة وأجرًا.
