رؤية سكب القهوة في المنام من الرؤى التي يستيقظ منها الحالم وفي نفسه شيء من الحرج، فيرى الفنجان يميل في يده فتنساب القهوة على الأرض أو على الصينية، أو يرى الدلة تفيض أثناء الصب، أو يرى نفسه يسكبها عمداً. وهي رؤيا تشبه مواقف مألوفة تحدث في اليقظة لأي إنسان، فلا ينبغي أن تُثقل بأكثر مما تحتمل. ونذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه ظنّي يخطئ ويصيب، فلا يُتخذ حكماً ولا نذيراً.
السكب في الرمز العام يدل على فقد جزء من نصيب أو إهدار وقت أو جهد أو كلمة، وقد يدل على انفعال مفاجئ أو ارتباك عابر. وسكب القهوة تحديداً يشير إلى تفويت لحظة أنس أو فرصة صغيرة بسبب استعجال أو غفلة. لكنه ليس شراً محضاً، فقد يكون تنبيهاً رفيقاً يدعو إلى مزيد من الانتباه قبل أن يقع ما هو أكبر. وقد يشير كذلك إلى بذل سخي للقهوة يوزّعها الحالم دون حساب. فمعناه التنبيه والتأني وحفظ النصيب.
ونُسب إلى ابن سيرين في أبواب الأشربة والأواني أن إراقة الشراب قد تدل على ضياع نصيب أو تفريط بقدره، وأن إراقته لغرض صحيح قد تدل على تخلص من أمر غير مرغوب. وذهب بعض المفسرين إلى أن الانسكاب العفوي يدل على استعجال أو غفلة، وأن المتعمد يدل على نية مبيّتة. وأصارح القارئ بأن القهوة لم تكن مألوفة عند أوائل المعبّرين، فلا نص على سكبها بعينه، وإنما يُقاس على إراقة الشراب عامة، وقد اختلف المتأخرون في وجه القياس. فنعدّ ما يُقال اجتهاداً لا يقيناً.
ويتغير المعنى بتغير ظروف السكب. فإن كان السكب قليلاً لا يضر فالأقرب أنه تنبيه عابر، وإن كان كثيراً حتى فرغ الفنجان فقد يدل على تفويت نصيب أكبر. وإن سُكبت القهوة على الأرض فهي غفلة عن الأسفل والأساس، وإن سُكبت على الطاولة فهي في مجلس ومقام، وإن سُكبت على الثياب فلها حديث مستقل. وإن سكبها الحالم عمداً فقد يرمز إلى رفض أمر لا يريده أو تخلص من عبء. وإن سكبها غيره فقد يدل على أخطاء الآخرين.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل السكب على ارتباك في موقف أمام الناس أو خوف من الخطأ، وقد يدل على تأجيل موعد أو تغيير في خطة. ولا يعني ذلك سوءاً، فقد يكون الارتباك سبباً لتعلم الهدوء. وللمرأة المتزوجة قد يدل على تعب وانشغال يجعلانها تفقد شيئاً من تركيزها، وعلى حاجة إلى تقسيم المهام. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها.
وللرجل قد يدل سكب القهوة على استعجال في قرار أو كلمة قيلت قبل أوانها، أو على إهدار فرصة صغيرة، أو على غضب مفاجئ يحتاج إلى ضبط. وللتاجر قد يدل على تسرع في معاملة يحسن أن يراجعها، أو على خسارة صغيرة يمكن تداركها. وللشاب قد يدل على مرحلة تعلّم الاتزان. ولا ينبغي أن يُبنى على ذلك قرار.
ومن التفاصيل الدقيقة مدى اتساع البقعة، فالبقعة الصغيرة تدل على أثر محدود، والواسعة قد تدل على أثر ممتد. ومنها سرعة التدارك، فمن بادر إلى المسح فهو حسن التدبير، ومن ترك الأمر فقد يدل على إهمال. وإن كان ما انسكب قهوة ساخنة فربما كان الانفعال شديداً، وإن كانت فاترة فقد يكون أخف. وإن عوّضه أحد بفنجان جديد فهو خلف وإحسان، وإن لم يحصل فهو تعلّم. وإن رأى القهوة تتحول إلى ماء صافٍ فهو صفاء بعد كدر.
وهناك معنى لطيف آخر، فالسكب في بعض الأحيان لا يكون ضياعاً، فمن سكب قليلاً من القهوة على الأرض كرماً أو تنظيفاً للفنجان فهو يمارس عادة بسيطة. فإن كان الحالم يسكب ليجدد الفنجان بقهوة طازجة فالصورة تحمل معنى التجديد والبدء من جديد. ولذلك ينبغي ألا نحكم على الصورة بمجرد المظهر، بل ننظر إلى القصد والشعور. فالإنسان قد يتخلص من القديم ليأخذ الأفضل، وهذا معنى مؤنس.
وأما الجانب النفسي فقد تعبّر الرؤيا عن توتر داخلي أو عن خوف من ارتكاب خطأ أمام الناس، أو عن إرهاق يجعل اليد ترتعش. وقد يراها من مرّ بموقف محرج قريباً أو من يستعد لمناسبة يخدم فيها. فهي غالباً صدى لقلق يومي. فنقرأها بلطف ولا نعاقب أنفسنا عليها.
ومن الفوائد العملية أن يتمهل الإنسان في حركاته وكلامه، وأن يخصص وقتاً لراحته حتى لا تثقل أعصابه، وأن يتدرب على التنفس العميق عند التوتر. وأن يتذكر أن الأخطاء الصغيرة تُصلح وأن الاعتذار الصادق يمحو أثرها. وأن يقدّر ما بين يديه من نصيب فلا يهدره. وبهذا ينتفع من الرؤيا انتفاعاً هادئاً.
وفي الختام فهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة، ولا ينبغي أن يكون سبباً للتشاؤم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدعُ المرء ربه وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب المشروعة.
